الأحداث – تقرير بدأ الشاب عمر الصديق نشر فيديوهات بعنوان “فطورنا بديوان أرباب” منذ فترة ليست بالطويلة، على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي الشهير فيسبوك. وتتضمن الفيديوهات اجتماع ثلة من أهل قرية مناقزا الحلاويين بديوان لتناول وجبة فطور سودانية خالصة، أثارت هذه الفيديوهات موجة هائلة من الحنين فاضت بها الوسائط من جموع السودانيين في الدياسبورا والمغتربات واللجوء، حيث لامست أعصاب ذاكرة الاجتماع السوداني في سمته البسيط العميق؛ الفطور في الديوان مع جموع أهل الحي، حيث يجلب كل واحد صينية فطوره، كسرة مع ملاح ويكة هنا، وملاح نعيمة هناك، وقراصة بتقلية، وفول ودمعة، وبقية أصناف المائدة السودانية الغنية. بعد الفطور، تنتشر أكواب الشاي بين أيدي الجميع، تليها القهوة.
هذه الفيديوهات، على بساطتها، وجدت تجاوبًا ومتابعة كبيرة، انعكست في زيادة متابعي صفحة عمر الصديق وفي انتشار فيديوهات مشابهة لأناس آخرين حاولوا محاكاة هذا الواقع في مغترباتهم ليشعروا مرة أخرى بدفء الوطن ولمّة الأهل.
دفعت حرب 15 أبريل مئات الآلاف من الأسر السودانية إلى الخروج قسرًا من السودان، بحثًا عن الأمان والاستقرار وتوفر الخدمات في مغتربات وملاجئ تقيهم شر الحرب وتبعاتها. هؤلاء السودانيون الذين ما خطر لهم يومًا أن يخرجوا من بيوتهم لمجرد السفر إلى أي دولة أخرى، هم من فجّرت هذه الفيديوهات مكامن اللوعة في نفوسهم، نوستالجيا الاجتماع السوداني في أكثر صوره بساطة وثراء؛ تناول وجبة في أحد دواوين الحي، يجتمع الشباب والرجال العائدون لتوهم من وردية عمل في إحدى الحواشات، حشًّا وسقيًا ورعايةً لمحاصيلهم، أو الذين هبطوا من سقالات البناء، وعادوا إلى البيوت للفطور قبل العودة مرة أخرى إلى العمل.
حياة القرية التي نقلتها كاميرا هاتف عمر الصديق تراوحت مشاهدها بين لمّة فطور، وجلب الحليب عصرًا من أحد الدكاكين، أو اللمّة عند ملحمة الشيخ الفكي لشراء اللحم والخضار، وصورة سوق القرية المكتنز بالخيرات الطازجة، ومناكفات الشباب بعد مباراة ريال مدريد وبرشلونة في الأمسيات، ومنظر الحقول الخضراء الواعدة.
أشعلت هذه المشاهد لواعج الحنين لدى الكثيرين الذين باتوا بعيدين عن هذه الحياة قسرًا أو اختيارًا، فلا شيء يعدل الوطن كما قال الشاعر، ولا شيء يمكن أن يجعل الحياة خارج الوطن، مهما بلغت رفاهيتها وتوفر الخدمات فيها، شافيةً من مرض الحنين إلى الديار ومباهجها الصغيرة؛ فالذكريات التي يحملها المرء، والتوق إلى أزمنة الاستقرار والطمأنينة، تجعل الإنسان مدفوعًا إلى هذه الصور المنزوعة من سياقات الوقت الحاضر المدنس بالحرب واللجوء والنزوح.
أكثر ما يميز المجتمع السوداني هو هذا النسيج المترابط، والتجمعات التي تقام لخدمة أحد أفراده طوعًا ومجانًا، مثل النفير لبناء بيت أو مسجد أو إصلاح سور مدرسة أو بناء مركز صحي بالعون الذاتي، والفطور الجماعي في دواوين الحلة لإطعام الوافدين والضيوف، لكيلا يكونوا عبئًا على شخص واحد، فيتحمل الجميع كلفة الزائر والضيف. هذه اللمات أو الاجتماعات التي تُناقش فيها كافة قضايا المنطقة والحي والفريق هي ما يجعل قيمة هذه التجمعات وضرورتها أكبر، هذا غير التواصل الإنساني والتكاتف والترابط، وهذا ما افتقده المهاجرون والمغتربون واللاجئون الذين خرجوا من ديارهم مضطرين.
الحاجة إلى هذا الاجتماع السوداني بشكله السياسي تبدو الآن أكبر من أي وقت مضى، لوقف نزيف الحرب، فقد أنفق السودانيون زهاء العقود الثمانية في حروب لا تنتهي، أقعدت بالبلاد ومنعتها من تبوؤ مكانتها التي تستحق، اقتصاديًا وسياسيًا وإنسانيًا. فالسودان الغني بالموارد الطبيعية بات الآن عاجزًا عن توفير متطلبات احتياجات مواطنيه من حاجات أساسية كالمياه النظيفة والكهرباء والوقود والخدمات الصحية، بينما باطن أرضه يعج بالكنوز، وتجري فيه الأنهار العذبة، وتمتد أراضيه الصالحة للزراعة أمام الأفق بلا حدود.
فطورنا بديوان أرباب فعالية بسيطة، لكنها ذكّرتنا بقيمة الثقافة الريفية التي كادت تندثر، وقيمة الكرم السوداني الأصيل، وجعلتنا ننظر إلى خيرات أرضنا وثمراتها: كسرة حمراء من عيش فتريتة، وملاح ويكة من الحقل المجاور، وملاح روب من حليب الماشية التي ترعى في الحقل أمام البيت، وكل الأطعمة العضوية الصحية الطازجة، والنفوس المعافاة الطيبة الأصيلة، وجمال وصفاء القلوب التي تلتئم كل يوم لتتذكر أن الناس بالناس والكل برب العالمين. نقلا عن “الترا سودان”