فشل الاشتراكية البوليفارية لايبرر انتهاك سيادة فنزويلا

عبدالعزيز يعقوب – فلادليفيا
ayagoub@gmail.com
٣ يناير ٢٠٢٦
فنزويلا ليست أرضًا فقيرة ولا شعبًا عاجزًا، بل دولة واسعة، مترامية الأطراف، تطل على البحر الكاريبي، وتكاد طبيعتها وحدها تكون مشروع اكتفاء ذاتي. مساحتها التي تقارب مليون كيلومتر مربع تختزن في باطنها ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم، إلى جانب الغاز والمعادن والمياه والغابات والأراضي الزراعية الخصبة. يعيش على هذه الأرض قرابة ثلاثين مليون إنسان، متنوعون في أعراقهم وثقافاتهم، يحملون طاقة حياة كان يمكن أن تصنع نموذجًا تنمويًا يُحتذى، لا مأساة تُستدعى في كل نقاش سياسي.
غير أن هذه الإمكانات الهائلة وُضعت، لعقود، في قبضة أيديولوجيا آمنت بالشعار أكثر من الإنسان، وبالمركزية أكثر من الإنتاج، وبالدولة أكثر من المجتمع. الماركسية، بصيغتها الفنزويلية المسماة بالاشتراكية البوليفارية، لم تنظر إلى الاقتصاد بوصفه منظومة معقدة تحتاج إلى تنويع واستدامة، بل اختزلته في مورد واحد تسيطر عليه الدولة وتعيد توزيعه سياسيًا. لم تُنصف المواطن حين جعلته تابعًا للريع لا شريكًا في الإنتاج، ولم تصن كرامته حين ربطت معيشته بالولاء لا بالكفاءة والعمل.
في سنوات الوفرة النفطية، بدا المشهد خادعًا. تدفقت الأموال، واتسعت برامج الدعم، وارتفعت نبرة الخطاب الثوري. لكن الاشتراكية، بدل أن تستثمر تلك اللحظة التاريخية في بناء اقتصاد متنوع وقاعدة إنتاج حقيقية، أهدرَتها في إنفاق استهلاكي قصير النفس. لم تُنهض الزراعة، ولم تُبنَ صناعة وطنية قادرة على المنافسة، ولم تُخلق مصادر دخل خارج النفط. وهنا يتبدّى جوهر الإخفاق: فكر يرفع راية العدالة الاجتماعية، لكنه يعجز عن تحرير المجتمع من هشاشة الاقتصاد الأحادي.
وعندما انخفضت أسعار النفط، لم يكن الانهيار طارئًا، بل كاشفًا. انهارت العملة، انفلت التضخم، اختفت السلع الأساسية، وتراجعت الخدمات إلى حدودها الدنيا. وجد المواطن الفنزويلي نفسه وحيدًا أمام دولة عاجزة عن حمايته، في بلد يُعد من أغنى بلدان العالم من حيث الموارد. ملايين اضطروا إلى الهجرة، لا رفضًا للوطن، بل بحثًا عن حياة ممكنة. عند هذه النقطة، سقط الادعاء بأن الأزمة مجرد حصار أو مؤامرة خارجية، رغم أثر العقوبات، إذ إن الخلل البنيوي سبقها ومهّد لها.
سياسيًا، لم تكن التجربة أقل إخفاقًا. فقد احتفظ النظام بشكل انتخابي، لكنه أفرغه من مضمونه، فتآكل استقلال القضاء، وضاق هامش الإعلام، وتراجع مبدأ التداول الحقيقي للسلطة. باسم الشعب جرى تحجيم الشعب، وباسم العدالة الاجتماعية جرى سحق الطبقة الوسطى، وهي العمود الفقري لأي استقرار سياسي واقتصادي. لم يكن هذا انحرافًا عابرًا، بل نتيجة منطقية لفكر يرى الدولة وصية على المجتمع، والاختلاف خطرًا، والمعارضة تهديدًا.
ومع ذلك، فإن فشل الاشتراكية البوليفارية، مهما كان واضحًا وقاسيًا، لا يمنح أي طرف خارجي حق الوصاية أو الاعتداء. وهنا تبرز حقيقة كثيرًا ما تُغفل في الخطاب السياسي: من داخل الولايات المتحدة نفسها، من داخل مؤسساتها الأكاديمية والقانونية والإعلامية، ارتفعت أصوات ترفض أي تدخل عسكري أو اقتصادي قسري ضد فنزويلا، وتؤكد أن مثل هذه السياسات لا تتجاوز فقط المبادئ الأخلاقية، بل تتعدى كذلك صلاحيات الرئيس الأمريكي الدستورية، وتصطدم مباشرة بمواثيق القانون الدولي.
هذه الأصوات، التي لا تدافع عن النظام الفنزويلي ولا عن اشتراكيته، تنطلق من مبدأ أعمق: أن سيادة الدول ليست خيارًا سياسيًا، وأن ميثاق الأمم المتحدة، في مادته الثانية، يحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي. كما تؤكد أن العقوبات الجماعية، مهما كانت ذرائعها، لا تُسقط الأنظمة بقدر ما تُعاقب الشعوب، وتُفرغ الخطاب الديمقراطي من أي مضمون أخلاقي.
إن صدور هذا الموقف من داخل الدولة الأقوى في العالم يمنح نقد التجربة الفنزويلية وزنًا إضافيًا، لأنه يفصل بوضوح بين فشل النموذج الأيديولوجي من جهة، ورفض التدخل والهيمنة من جهة أخرى. فلا الاشتراكية البوليفارية نجحت في إنصاف المواطن أو تنويع مصادر الدخل القومي، ولا التدخل الخارجي أثبت يومًا أنه طريق إلى الديمقراطية أو الاستقرار.
فنزويلا، في صورتها الكاملة، ليست ساحة صراع بين ماركسية ورأسمالية، بل درس مفتوح في حدود الأيديولوجيا وحدود القوة. درس يذكّر بأن الشعوب وحدها تملك حق اختيار أنظمتها، ومحاسبة قادتها، وتصحيح أخطائها، دون وصاية أو حصار أو تدخل. وأن فشل الداخل، مهما كان جسيمًا، لا يبرر عدوان الخارج، كما أن مقاومة الهيمنة لا تُغني عن بناء دولة عادلة، منتجة، وديمقراطية بحق.
هامش:
اقتصاد الريع او الريعي وهو مال يأتي من الأرض لا من العمل



