فريد زكريا : ليست الهجرة بل تغول السلطة.. فريد زكريا يفكك مفهوم ‘المحو الحضاري’ في عهد ترامب

واشنطن – وكالات
في قراءة نقدية حادة للمشهد السياسي الراهن، حذر المحلل السياسي فريد زكريا امس من أن التهديد الحقيقي الذي يواجه الحضارة الغربية لا يأتي من “تآكل الهوية” أو الهجرة كما يروج تيار “ماجا” (MAGA)، بل من التفكيك الممنهج للمؤسسات الديمقراطية وتقييد الحريات داخل الولايات المتحدة.
المبدأ الغربي: قيود السلطة لا نقاء العرق
يرى زكريا، عبر برنامجه “GPS” على شبكة “سي إن إن”، أن “العبقرية الغربية” ليست نتاج تضامن قبلي أو ديني، بل هي ثمرة تراث مؤسسي بدأ منذ “الماجنا كارتا” عام 1215. هذا التراث اعتمد تاريخياً على تقييد سلطة الحاكم عبر القضاء المستقل، وحقوق المواطنة، وحرمة الملكية الخاصة.
ويؤكد التحليل أن هذا “العقد المؤسسي” هو ما منح الغرب استقراره وازدهاره، محذراً من أن السياسات الحالية تعمل على تحويل الدولة من “حكم القانون” إلى “حكم القوة”، مما يجعل الغرب يشبه الأنظمة السلطوية التي طالما ناهضها.
مظاهر “الاستبداد الناعم” والترهيب المؤسسي
يرصد التقرير تحولات مثيرة للقلق في آليات إنفاذ القانون والتعامل مع المجتمع المدني:
* عسكرة العمل الشرطي: استخدام عناصر ملثمة ومركبات غير مميزة لتنفيذ اعتقالات دون أوامر قضائية، مما يخلق واقعاً يتجاوز التقاليد الدستورية.
* تجريم المعارضة: وصف زكريا محاولات التحقيق مع منظمات المجتمع المدني (مثل مؤسسات جورج سوروس) بتهم “الابتزاز” بأنها استعارة لنماذج الحكم في روسيا والمجر، حيث يتم الرد على النقد باللاحقة الجنائية.
* ترهيب المهن الحرة: ممارسة الضغوط على شركات المحاماة والجامعات عبر سلاح “التصاريح الأمنية” والتمويل الفيدرالي لفرض تنازلات سياسية.
من اقتصاد السوق إلى “نظام المحسوبية”
على الصعيد الاقتصادي، يشير التحليل إلى انزياح خطير نحو “الرأسمالية السياسية”. فبدلاً من القواعد التنافسية الواضحة، باتت الشركات والمدراء التنفيذيون يخضعون لنظام “الثواب والعقاب” بناءً على الولاء السياسي. ويرى زكريا أن تحول الدولة إلى “عاقد صفقات” بدلاً من “واضع قوانين” يحول الرأسمالية الأمريكية إلى نظام محسوبية (Patronage System) يشل روح الابتكار والمنافسة.
الخلاصة: الغرب كـ “اتفاق” وليس “سلالة”
يختتم زكريا أطروحته بأن “المحو الحضاري” الذي تحذر منه إدارة ترامب في أوروبا، يقع فعلياً في قلب أمريكا. فالحضارة الغربية في جوهرها هي “مقايضة” تقوم على سلطة خاضعة للمساءلة وحقوق محمية.
إن التهديد الأكبر ليس في كون الغرب أصبح “أكثر تسامحاً”، بل في تمدد سلطة الدولة لتصبح، كما هو الحال في المجتمعات السلطوية عبر التاريخ، أداة بيد القوي لإخضاع الضعيف، وهو ما يمثل الانهيار الحقيقي للميراث الغربي.

Exit mobile version