فرانز فانون وعالم الاستعمار المانوي: لماذا تخطى (bypassed) الاستعمار الشريعة إلى غيرها (2-2)

عبد الله علي إبراهيم
(أنشر في يوم استقلالنا بعض فصل من كتابي “الشريعة والحداثة: جدل الأصل والعصر” لنقف على العنف الذي “سمكر” به الإنجليز دولتهم في السودان وغير السودان. وأدين بهذا التحليل لقراءة في التسعينات لفرانز فانون المفكر المارتنيكي صاحب “معذبو الأرض” الذي ما يزال تحليله للاستعمار مما يملأ الدنيا ويشغل الناس في دراسات ما بعد الاستعمار. كما أدين في المبحث للدكتور كارولين فلوهر-لوبان وكتابها عن الشريعة في السودان التي جاءتها ماركسية، ولكن بعقل كبير. وكتاب “الشريعة والحداثة” هو تعريب جزئي لكتابي في الإنجليزية “الهذيان المانوي: تفكيك القضائية الثنائية الاستعمارية والتجديد الإسلامي في السودان، 1898-1985” (دار بريل 1985). ويجده الراغب في أمازون ومن طلبه ميسراً اتصل بي في الخاص).
قبل فكرنا القانوني العلماني حقائق القوة التي عطلت حكم الشريعة في غير الأحوال الشخصية بغير اشتباه. فمنصور خالد مثلاً مطمئن للغاية إلى أن القانون السوداني لغير الأحوال الشخصية، المستمد من اللوائح والسوابق القضائية الإنجليزية والهندية، قد قارب عدل الشريعة أو قصر دونه بقليل. فحين تناول إنجاز اللجنة التي كونها الرئيس نميري في 1977 لمراجعة القوانين السائدة في البلاد آنذاك حتى تتناسب مع تعاليم الدين الإسلامي، ذكر، بغير قليل من المباهاة، أن اللجنة لم تجد غير 12% من تلك القوانين أما تعارضت أو حوت شبهات إيدلوجية معارضة، أو اشتملت على مواد مخالفة للشريعة. وهذا منطق إحصائي مشكوك النفع في خطاب الذهن الديني الذي يعتقد في وحدة شِرعته والتي ينهار بنيانها المرصوص إذا تداعى حجر فيها ناهيك أن يكون هذا الحجر كبيرة من الكبائر كإباحة الربا والخمر أو الميسر في قانون المستعمرين الموروث.
الطريقة التي دفع بها منصور خالد عن القانون السوداني الساري على عهد الاستعمار تواطؤ مع السلطان واستصحابًا للقوة لا نطحاً لهما لأن الأمور عند الناظر بطريقة منصور خواتيم لا بدايات. ولا يزلزل العتو والجبر مثل إرساء الأسئلة في مبادئ الأمر لا عواقبه. وهذا ما استطرفته في حديث قديم لزكي مصطفى في كتابه القانون العام (1970) عن منزلة الشريعة في دولة الاستعمار في السودان. فقد تساءل زكي لماذا استبعد الاستعمار تبنى تنقيح وملاءمة الشريعة الإسلامية خلال صوغه للقانون الجنائي قبل أن تُبَسِّط القانون الهندي وتتبناه. ورأي زكي أن جريرة الاستعمار أبلغ لما تعامى عن الشريعة الإسلامية في صوغ القانون المدني. فقد انصرفت الإدارة الاستعمارية عن الشريعة والقانون المصري الأوروبي القاري وحتى القانون الإنجليزي، وهي القوانين التي لا غناء عنها كمصادر للقانون المدني السوداني. وقال إنه لم يكن للشريعة آنذاك طواقم قانونية ضليعة في شئون المعاملات التجارية ولم يكن بوسع البريطانيين الاقتراب من الشريعة لحاجز اللغة والدين. كما تفادت الإدارة البريطانية في السودان القانون المصري لأن استمداده من القانون الفرنسي قد شابته أخطاء لا شفاء له منها. ولم يكن من رأي تلك الإدارة الأخذ من القانون الإنجليزي لأنه من غير الجائز استنباط قانون لبدائيين في السودان من قانون للصفوة المتحضرين.
ولذا وجهت تلك الإدارة طاقمها القانوني المحدود في الإدارة والقضاء ليفصل في المسائل المدنية مبتدعًا وملتمسًا بوجه عام أقباس (العدالة والمساواة والوجدان سليم). وهي صيغة عريضة لن يجد حتى المسلم صعوبة في قبولها طالما اعتقد أن الشريعة هي المثل الأعلى للعدالة والمساواة والوجدان السليم. وحتى بعد الاستقلال لم يتزحزح القضاة عن فهمهم أن القانون المتوقع منهم تطبيقه هو القانون الانجليزي. وقد خرج القضاة لاحقاً عن القانون الانجليزي نوعًا فنظروا إلى السوابق الهندية أو السودانية التي توافرت بعد صدور المجلة القانونية السودانية. وهو خروج عن للقانون الإنجليزي وليس إطراحًا له. واستغرب زكي للطريقة التي فهم منها القضاة الإنجليز في السودان، والقضاة السودانيون معهم ومن بعدهم أن صيغة العدالة المساواة والوجدان السليم هي تخويل تام لهم لتطبيق القانون الإنجليزي في السودان. وعليه فقد فقدت الصيغة معناها وأضحت اسمًا آخر للقانون الإنجليزي. وبذا قعد القضاء السوداني عن النفاذ إلى العدالة في الشريعة أو الأعراف ليستوعب التقاليد والممارسات السودانية في القانون المدني.
ولم يقبل زكي بالقول إن حاجز اللغة ربما حال دون القضاة الباكرين والالتفات إلى الشريعة والأعراف السودانية لتوافر، أو إمكانية توافر، التعريب والمعربون حتى علي تلك الأيام. بل كان أول ما أنشأ الإنجليز ديواناً سموه قلم الترجمة. ويختتم زكي قوله بأن استبعاد الشريعة والأعراف من أصل القانون السوداني لم يقم على مقدمات أو تبرير ولذا فالنقص في الذين أهملوا اعتبارهما وليس أصلاً فيها.
في تخفيض الشريعة إلى عرف للأحوال الشخصية للمسلمين حَجْبُ للمحكمة الشرعية عن العلاقات القانونية، في قول كلفٍ تومسون، الناشئة عن تعقيدات المجتمع التجاري والصناعي الحديث، أي عن الحياة السياسية والاقتصادية العامة التي تتقرر فيها مسائل الجاه والنفوذ. وفي هذا إضعاف للمحكمة الشرعية في نظر المسلمين أنفسهم الذين يخوضون في المضمار العام كاسبين أو خاسرين. وعَرَّض هذا التخصص «الأسري» قضاة الشرع إلى ألوان من الاستفزاز. فقد نعى مولانا مجذوب كمال الدين، قعود القضاء الشرعي عن اقتحام عالم خلافات القبائل وسياساتها وصلحها التي اقتصرت على القضاء المدني. ولذا قال مولانا عبد الرحمن شرفي إن القضاء الشرعي لم يكن سوى قاض وإمام جماعة لم يلتحم بالمجتمع في سياسته واقتصاده التي احتكرها الإنجليز وقضاتهم المدنيون. ولذا قرع منصور خالد القضاة الشرعيين في حوار مع الصفوة (1972) حين رآهم ضمن الجماعات الداعية للدستور الإسلامي فيما بعد أكتوبر 1964 قائلاً لهم ما شأنكم والدساتير وأنتم مجرد قضاة أنكحة وميراث. وهي كلمة غليظة أحسبه اعتذر عنها في كتابه اللاحق “النميري وتحريف الشريعة” (1986) حين أشاد بالأدوار السياسية والأخلاقية للعديد من قضاة الشرع السودانيين. وعلى اعتزاز قضاة الشرع بهيبتهم بين عامة الناس إلا أن تلك الهيبة تتحول إلى نوع من القيد بشذوذ علائمها على مألوف الحياة الحديثة. فقد حكى لي مولانا مجذوب كمال الدين أنه كان طوال شبابه يمارس لعبة كرة القدم منافسة أو هواية. وما منعه من الاستمرار فيها إلا قول واحد من جمهور المتفرجين له ذات يوم، وقد رآه يقترب من المرمى، «انكحها يا مولانا، دخلها بيت الطاعة»، ووجد مولانا في تعليق المتفرج فكاهة حامضة.
وترتب على ذلك أن استقل الذكور المسلمون المحكمة الشرعية بالنظر إلى كونهم هم الذين يخاطرون في الحياة العامة ويحملون خصوماتهم إلى المحكمة المدنية. وقد سموا المحكمة الشرعية «محكمة النسوان» حين رأوا اقتصارها على المسائل الشخصية في نزاعات هم فيها – كأزواج وآباء – الخصم المسبب والأقوى بحكم الولاية في العائلة وبحكم الأعراف الاجتماعية التي تغريهم أحيانًا بابتذال تلك الولاية، وهو ابتذال غالباً ما ردتهم المحكمة الشرعية عنه. بل وجدوا في قيام المحاكم الشرعية في أريافهم بديلاً خطرًا لمجالس صلحهم وأجاويدهم التي هم فيها – كجنس – الخصم والحكم. فلربما لجأت نساء لم يرضين بأحكام تلك المجالس إلى المحكمة الشرعية. وقد روى أبو رنات، أول رئيس للقضاء في السودان، عن امرأة من إحدى بوادي السودان، وهي البوادي التي لا تُورِث أعرافها المرأة، لجأت إلى المحكمة الشرعية في الخمسينات وحكمت المحكمة لها بإرثها المستحق. وقد أذهل هذا الحكم الناس الذين استغربوا جسارة المرأة واستغربوا حكم المحكمة لها. وقد حكمت محكمة شرعية أخرى في «الشرط»، وهو في عرف البادية السودانية بقر يوهب للزوجة يكون لها منه عائد لبنها، إلا إذا وَلَدت استحقت البقر ذاته. وعدت المحكمة الشرعية الشرط مهرًا مستحقًا للمرأة ولدت تلك المرأة أم لم تلد طالما لم يدون الشرط في عقد الزواج.
وعلاوة على ذلك فقد أضعفت الإدارة الاستعمارية المحكمة الشرعية من وجوه أخرى هي: أولاً: تجريدها من القوة ورموزها بمنعها من تنفيذ الأحكام الصادرة منها وإيكال أمر التنفيذ للمحكمة المدنية. وثانيًا: التضييق عليها حتى في حدود اختصاصها في الأحوال الشخصية.
قصد الاستعمار من تجريد المحكمة الشرعية من سلطة تنفيذ أحكامها أن يكون له الحق والفرصة للتعقيب على تلك الأحكام. ففي أحكام رد المرأة الناشز ابتدع الإنجليز قاعدة أن يردها القاضي المدني أو مفتش المركز الإنجليزي ثلاث مرات، يبطل بعدها الحكم الشرعي بالرد حتى يرفع الزوج قضية جديدة. واحتج القضاة الشرعيون على هذه «البدعة» في حين لجأت النساء المتهمات بالنشوز والمطلوبات لبيت الطاعة إلى المحكمة المدنية لشكوى الرجال للضرر. وتحسباً لتدخل المحكمة المدنية، المختصة بالقانون الجنائي، بقرارات جنائية في محيط الأسرة، التي هي اختصاص المحكمة الشرعية، لم تكن المحكمة الأخيرة تأخذ في الاعتبار أي حكم جنائي صادر عن المحكمة المدنية الناظرة في قضايا الطلاق المرفوعة من الزوجة لأذى جسدي وقع عليها من زوجها. وكانت المحكمة الشرعية، بإهمال أحكام المحكمة الجنائية في مسائل الأحوال الشخصية، لا تريد أن يشمل تعريف الجناية القدر المقرر من قبل الشريعة لتأديب الزوجة أو معاقبة زوج القاصرة كمغتصب.
أما وجوه تضييق الإنجليز على قانون المحكمة الشرعية فقد كانت من جهة السلطة الممنوحة للسكرتير القضائي الإنجليزي، الذي هو رابع أربعة في مجلس الحاكم العام، للتصديق على كل تشريع صادر من قاضي القضاة الذي يقف على رأس هرم المحكمة الشرعية. ومن جهة أخرى فالقانون المدني لسنة 1900 قيد المحكمة الشرعية بوجوه لاستقامة لها شرعًا. فقد اختص القانون المحكمةَ الشرعية بالنظر في النزاعات الأسرية التي طرفا الخصومة فيها مسلمان على ضوء الشريعة أو الشريعة التي عدلتها الأعراف. ففي قصر اختصاص المحكمة على خصومة الطرفين المسلمَين استبعاد من صلاحية المحكمة للبت في النزاعات التي يكون أحد طرفيها مسلمًا في الزواجات المختلطة. والمعنى الصريح لهذا التخصيص كف المحكمة الشرعية عن منع زواج المسلمة من غير المسلم، وهو الهدي القرآني الملزم. أما قول القانون بشريعة معدلة بالأعراف فهو ما يعده المسلمون، في كلمة للسيد لناتالي أكولاوين – أستاذ القانون السابق بجامعة الخرطوم- ليس إساءة للإسلام فحسب، بل واحدًا من أمر مخلفات الاستعمار التي ينبغي محوها لأنه لا سبيل للمسلمين المستقيمين أن يقبلوا للشريعة الغراء المنزَلة أن تحورها أو تحسنها أعراف البشر. ومن الجانب الآخر، ولاعتداد الاستعمار بمهمته التمدينية، جُردت المحكمة الشرعية من صلاحية النظر في مسائل المواريث بين الرقيق المحرر وأسيادهم وكل المتعلقات القانونية المتصلة بالرقيق السابقين.
نلمس في أبواب التضييق آنفة الذكر كلها سوء ظن مرموق من قبل الإنجليز بعدالة الشريعة تجاه المرأة، وغير المسلم، والرقيق. وهو سوء ظن لم يقم عليه دليل في تاريخ التشريع الإسلامي في السودان خلال القرن الماضي في الذي رأيناه من وصف كارولين لهذا التشريع بالاستنارة والإنسانية والتقدمية. ففي شأن النساء راوح التشريع في السودان بين أراء المالكية والحنفية بشأن الولي في الزواج. فالمنشور الشرعي لعام 1900 أخذ برأي الحنفية الذي يعتبر رأي الفتاة في الزواج على خلاف رأي المالكية الذي تم الأخذ به في منشور صدر عام 1933، وعاد التشريع في 1960 إلى رأي الحنفية آخذًا في الاعتبار مطلب الحركة النسائية النامية التي طالبت بوجوب أخذ رأي الفتاة في أمر زواجها.
وقدرت كارولين أن المحكمة الشرعية كانت سبَّاقة في منشورها لعام 1915باعتبار الضرر الجسدي أساسًا للطلاق البائن. وفي مسألة الحضانة أخذ منشور عام 1932 برأي المالكية الذي توسع في حق المرأة في حضانة الأطفال حتى البلوغ بالنسبة للولد وحتى الزواج بالنسـبة للبنت في حين تعطي الحنفية حق الحضانة للأب إذا بلغ الولد سبع سـنوات والبنت إذا بلغت تسع سنوات. وفي حكم فاصل جيد قضت المحكمة الشرعية في أمر من دقائق الرق: فقد أخذت برأي المالكية لتزوج فتاة رفض أهلها تزويجها من رجل أصله في الرق «العرق” يجعله غير كفء لها وخلافًا للحنفية، فالمالكية – التي هي قوام التشريع السوداني – تقصر الكفاءة على الدين في حين تأخذ الحنفية بالكفاءة في الوظيفة ومنزلة العائلة والأصل والحرية إلى جانب الدين. وكانت المحكمة الشرعية قد قضت منذ 1936 أن زواج الأمَة المحررة من سيدها لا يستقم بغير استيفاء موافقتها. وهذه مواقف منبئة أن بوسع الشريعة لا أن تكون شديدة الحساسية لقضايا عصرها فحسب، بل تمتعها بمرونة في المناهج والمصادر لترفد حساسيتها تلك. فقد رأيناها تستعمل مناهج التلفيق والتخيير لتراوح بين مدارس التشريع الإسلامي تأخذ من كل ما يناسب الزمن وعدل الشرع.
وسننتقل من هنا إلى دراسة سوء ظن الاستعمار بالشريعة حين اضطرب الاستعمار حيال الشريعة كتقليد ثقافي قانوني سوداني والطرق العديدة التي حاول تفادى هذا التقليد حين رتب محاكم الإدارة الأهلية في آخر العشرينات. غير أننا سنعود إلى أوجه غُلب المحكمة الشرعية في ظل دولة الاستعمار وما بعده في الفصل القادم من الكتاب.



