عودة نور القبة

أمية يوسف حسن أبوفداية

تشهد الساحة السودانية في هذه المرحلة الحساسة تطورات متسارعة، من أبرزها عودة عدد من القيادات المرتبطة بالمليشيا إلى ما يُوصف بـ«حضن الوطن»، في توقيت يقترب من لحظة الحسم العسكري النهائي. وهذه العودة، بما صاحبها من مظاهر احتفاء رسمية وشعبية، يمكن فهمها في سياق سياسي وعسكري ونفسي مركب، يتجاوز مجرد استقبال أفراد عائدين إلى دلالات أعمق تتصل بمآلات الصراع ومستقبل الدولة السودانية.
فمن زاوية الدولة، تمثل هذه الاحتفالات رسالة واضحة بأن مشروع التمرد يمرّ بمرحلة انكسار تدريجي، وأن خيار العودة إلى الصف الوطني أصبح ممكناً ومتاحاً قبل لحظة الهزيمة الكاملة. كما أن استقبال شخصيات كانت من قيادات الصف الاول بالمليشيا، مثل كيكل بالأمس ونور القبة اليوم، يحمل دلالة رمزية مهمة، مفادها أن الروابط السابقة مع المليشيا لم تعد عائقاً أمام الاندماج مجدداً في الإطار الوطني، متى ما تم إعلان الموقف بوضوح. وهذا بطبيعة الحال يعضّد الموقف العسكري للدولة، ويعزز من رسالتها السياسية بأن الزمن يعمل لصالحها، وأن خيار الحسم ليس معزولاً عن مسار الاستيعاب الوطني لمن يراجعون مواقفهم.
وفي الوقت نفسه، يمكن تفهّم حالة القلق والغضب التي يبديها معسكر الحياد، أو ما يُعرف بمعسكر «لا للحرب»، إذ يرى هذا التيار أن هذه التطورات، رغم أنها قد تسهم في تسريع نهاية العمليات العسكرية، فإنها قد تُضعف فرص التسوية السياسية الشاملة التي كان يعوّل عليها بعض الفاعلين لإعادة ترتيب المشهد السياسي عبر مبادرات دولية أو إقليمية، وربما عبر صيغ شراكة انتقالية جديدة. ومن هذه الزاوية، يبدو موقف هذا المعسكر منسجماً مع رؤيته الأساسية القائمة على أولوية الحل السياسي، حتى وإن اختلف معه آخرون في تقدير التوقيت والوسائل.
غير أن الصوت الأكثر استحقاقاً للاهتمام والإنصاف يظل صوت أسر الضحايا والمتضررين، خاصة في مناطق مثل الجزيرة والفاشر وغيرها من المناطق التي دفعت أثماناً إنسانية باهظة خلال هذه الحرب. فهؤلاء يمثلون الحلقة الأضعف حتى الآن في معادلة التوازنات السياسية والعسكرية، ويحتاجون إلى خطاب رسمي وأخلاقي واضح يراعي مشاعرهم، ويعترف بمعاناتهم، ويؤسس لمرحلة من العدالة المعنوية قبل أي ترتيبات سياسية لاحقة.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى أن تترافق عودة القيادات العائدة بخطاب علني صريح يتضمن اعتذاراً واضحاً للشعب السوداني، وإقراراً بالخطأ في الانخراط في حرب أضرت بالوطن والمواطن، مع دعوة صادقة لرفاقهم ومناصريهم وقواعدهم الاجتماعية والقبلية إلى إلقاء السلاح والانخراط في مسار وطني جامع. فمثل هذا الخطاب لا يكتسب قيمة رمزية فحسب، بل يسهم أيضاً في بناء مناخ الثقة الضروري لأي تسوية مستدامة، ويعزز فرص الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة التعافي الوطني.

إن السودان اليوم في حاجة إلى مزيج متوازن من الحسم والمسؤولية، ومن القوة والمصالحة، بحيث تتحول لحظة العودة الفردية إلى خطوة ضمن مشروع وطني أوسع يعيد بناء الدولة على أسس الاستقرار والعدالة والتماسك الاجتماعي

20 أبريل 2026

Exit mobile version