لابد من إمعان النظر في موضوع الديمقراطية النيابية والجدوي من اعادتها علي النحو الذي كانت عليه ولم يصمد أمام عائدات الزمان ولم يحقق الهدف الأسمي المراد منه وهو الاستقرار والتنمية .
والسودان الذي لم يحكمه ملك او إمبراطور منذ بعض الوقت وظلت أطرافه في الغالب خارج مظلة الحكم المركزي إلا لماما عبر الضرائب والعشور والتي قد يصل بعضها إلي المركز ، ظلت تنعم بالحرية ، حرية التعبير وسواها من الحريات القائمة علي العرف والدين. ونمط الحياة البسيطة التي يقل فيها التباين الطبقي الحاد . ويقيني أن السودانيين جميعا تواقون لنظام لا يسلبهم هذه الحريات في التعبير والتنظيم وقد حافظوا عليها في ظل حكم الدكتاتوريات العسكرية والايدولوجية في المراكز الحضرية التي حكمت ،فكانوا يمارسون بعضها في تجمعات المآتم والأفراح وفي اطار الاتحادات والنقابات المهنية والطلابية وربما في دور الرياضة يخرجون عبرها الهواء الساخن كيف شاءوا.
فهي اذن، الديمقراطية، إذا استوت علي الجودي فهي مبتغي لكل الناس إذا حكمتها قوانين وصحبتها التنمية والتحسن المضطرد في معاش الناس .وأي نوع من عزل فصيل أو فصائل فيها ، سيحرض عليها ويحدد سني عمرها.
لذلك فمجرد العودة إليها وهي مثخنة بالجراح منقوصة القوي ،تحمل أسباب فنائها بذات الأعراض التي أودت بها وقصرت عمرها بعد عبود ونميري ، ما لا ينبغي أن يقول به عاقل.
لا بد إذن من وقفة لجعلها خيار أم خير في الدارج من لغة أهلنا .أو في لغة وينستون شيرشل
“أسوأ نظام للحكم إلا عند مقارنتها بغيرها من النظم .” أي أنها تحوز حينذاك المركز الأول من حيث الصلاحية!
worst form of government
except for
all others
ذلك يستدعي بالضرورة النظر لماذا فشل الحكم الديمقراطي مرّتين متتاليتين ؟! قطعا ليس لأن الناس ضاقوا بالحريات واستحيوا الطغيان ولكن لأن الديمقراطية كانت تقنينا لصراع الطائفتين الكبيرتين سلميا في البرلمان وفي مجلس الوزراء ليس إلا أو اتفاقا لاضعاف القوي الحديثة ولم تكن أداة للحكم وإدارة البلاد والنهوض بها والعمل علي خلق بوتقة وطنية واحدة تنصهر فيهأ الجزيئات.
ولماذا ذلك نفسه؟
الحزبان الكبيران الأمة والوطني الاتحادي ثم الاتحادي الديمقراطي كانا نتيجة تحالف طائفتي الأنصار والختمية.
ويلزم هنا التدقيق في مكونات الطائفتين . كانت كل طائفة تضم تحالف قبائل عديدة وطوائف صوفية أصغر : سمانية ، أحمدية ، قادرية ، مكاشفة وإسماعيلية .وفي البداية تمتعت الطائفتان بقيادتين مجمع عليهما تقريباً : السيد عبدالرحمن المهدي والسيد علي الميرغني.
وليس مجرد عداء مايو والإنقاذ كان السبب الأكبر في اضعاف الطائفتين والحق أنهما سعيا لذلك ،ولكن مجرد غياب الزعيمين الطائفيّين وزيادة نسبة التعليم في مناطق نفوذهما بقيام مكونات احتجاجية في البحر الأحمر وجبال النوبة وجبهة دار فور وبروز قيادات في كردفان بكري عديل ومجموعة من أبناء المنطقة ،دليل علي مستجدات أضعفت الطائفتين وتقوت بذلك الجهويات ومعها بالضرورة القبلية والقبليات.
ومن المفارقات أن التعليم نفسه كرس القبليات لا اضعافها فاليوم ولكي لا ندفن الرؤوس في الرمال ، توجد مجالس للقبائل أو لبعضها تجعل ولاءات أبناء القبيلة الايدولوجية والسياسية تلزم المقعد الخلفي من العربة وتأتي في المركز التالي للانتماء للقبيلة. ويلاحظ أن معظم القيادات الأهلية أصبحت من المتعلمين: النظار والعمد والشيوخ والشرتاي.
هذا الوضع غير قابل للذوبان فقد وجد ليبقي وإن أذيب بالقوانين سيكون ذلك ظاهرياً ريثما يظهر في هيئة حزب أو هيئة . وتمرد حميدتي الجهوي والقبلي أبلغ مظاهر ذلك الصعود الجهوي القبلي وتماهي عدد من مثقفي قبائله وقبله قصة ( هاشم ١ وهاشم ٢ ) دليل ساطع علي ذلك وزمرة هؤلاء من المتعلمين ! وهكذا لئن بقي السودان موحدا وأقيمت فيه الأحزاب ،سيكون الانتماء الجهوي والقبلي هو قاطرة تأسيس الأحزاب السياسية فيه .
وبالتالي لن يكون قيام بوتقة تصهر جميع المكونات ممكنا وستكون الكيانات السياسية مجرد كيانات قبلية جهوية عليها غطاء زائف . ومثل هذا الوضع يخلق غطاءا زائفا يستعصي علي الانصهار كالتوافقية اللبنانية حيث قسمت فيها حتي السفارات علي الطوائف ال١٦ وبقي كلما مات هرقل لطائفة خلفه هرقل !
لذلك أري الحل المتاح والعقلاني ، نظام لا مركزي توافقي وفضفاض تتاح فيه للأقاليم الإضطلاع بتطوير مناطقها عبر الانتخابات في كل اقليم مع وجود مركز يدار بالتوافق و بترتيبات من التداول الرمزي لقيادات الأقاليم علي قيادة المركز الذي يمثل الرمز للوحدة التي تقتضيها مصالح جميع الأجزاء وبجيش واحد وسياسة خارجية واحدة وتعليم موحد في أعلي هرمه . كيفية تشكيل ذلك ومدده وصلاحياته تكون هي محور هذا النقاش للمختصين في علوم الادارة الحديثة والسياسة والاقتصاد .ولتكن القناعة أن الضرورة تحتم وجود دولة موحدة وهي في مصلحة الجميع و في غيابها تصبح البلاد فسيفساء من دويلات تتقاتل وتتلاشي يعبث بها الخارج المتربص والذي ينبغي إبعاده و استصحابه بالحذر في هذا النقاش الجاد المستبعد للعواطف بعد هذه التجربة المريرة من الحرب المدمرة التي خاضها السودان منفردا ووحيدا. هذا الطرح نوع من التوافقية كالذي جرب في هولندا وانتهت التجربة بانصهار كامل في نهاية المطاف ألغيت بعده جميع المحاصصات بين أجزاء البلاد ولعله يعمل الآن بكفاءة في مملكة بلجيكا المكونة من طائفتي الفرنسيين والفلمنش .
وأشير لإشارة سريعة للتاريخ مع ملاحظة أن حدة التباين والتعدد في السودان بعد العام ٢٠١١ لم تبلغ ما عليه الحال في ذينك البلدين.
العميد يوسف بابكر بدري تمني في مذكراته لو أن جيل الخريجين تولي الحكم وأبعد الطائفتين. لكن أحمد خير في كفاح جيل، أشار إلي أن جيل الخريجين المكافح أجتاحته انقسامات حادة وعميقة دفعت به إلي أحضان الطائفية ووصفه مسؤول التعليم البريطاني وقتئذ بأن تسمية الخريجين تسمية مبالغ فيها فعددهم حتي الأربعينيات لم يتجاوز ثلاثة آلاف فيهم خريجو المدارس المتوسطة ! وهكذا عاد الخريجون لعباءة السيدين مجددا وعصف السيدان برفق ودون كبير عناء بتيار التوسط الحضري الحديث الذي حاول الأزهري أن يقيمه وأخفق ورضي من الغنيمة بالإياب بجعل مستقبل الديمقراطية تحت رحمة الطائفتين والذي وصفه محمد أحمد محجوب بأنه أسوأ اتفاق أضر بالسودان.
الاستعمار عندما ضاق ذرعا بطبقة المتعلمين والتي كانت بادرة صغيرة في العشرينيات وحاول تبنيها والاعتماد عليها وربما بناء مستقبل السودان عليها وبدأ في توظيفها ( المآمير) بدلا من مآمير شريكه المصري ، عدل عن ذلك عندما انحازت تلك البادرة السودانية من خريجي المدارس للتماهي مع النضال المصري الوطني ضد الانقليز ، فلجأ للقبائل وأسس النظارات وعمد إلي تعليم أبنائهم ليكونوا وسيطه في الحكم بديلا لنخب المتعلمين فيما عرف ب NA.
والخلاصة أن الفتق قد اتسع علي الراقع وأن السودان مقبل علي امتحان عسير في بقائه موحدا ، رغم أنه يملك إمكانيات ذلك أكثر من بلاد عديده في محيطه. ولا يمكن فرض نظام حكم عليه بالغصب والقوة.
وتجارب الديكتاتور القوي والباطش العادل مؤقته عاقبتها التمزق والأمثلة عديدة فلا ينبغي أن ترهن البلاد مستقبلها لمستبد عادل يبنيها ثم تنهار بغيابه أو تغييبه بعد عقد او عقود ثم تتمزق بعده شر ممزق.والبديل الحافظ لكرامة الانسان هو السعي لإقامة نظام يرتضيه غالب الشعب ويصنعه في كنف الحريات والتداول والكبرياء الوطني.