رأي

عودة العلاقات السودانية الاثيوبية ما بين القوة الصلبة والناعمة 

لواء ركن (م) د . علي محمد سعيد

من الضروري استلهام التاريخ عند تحليل العلاقات السودانية–الإثيوبية عندما حذّر وزير الدفاع والقائد العام الأسبق الفريق أول عبد الماجد حامد خليل، الرئيس الأسبق جعفر نميري رحمهما الله، من أن التهديد الحقيقي للأمن الوطني السوداني سيأتي من الجبهة الشرقية، استناداً إلى الشواهد والمعلومات المتواترة في ذلك الوقت وتحليلا للبيئة الدولية والإقليمية . وقد أثبتت الأحداث صحة رؤيته مائة بالمائة، إذ انطلق التمرد في العام 1983م من إثيوبيا وظلت تلك الجبهة مشتعلة حتى تمكنت أجهزة الأمن وعلى رأسها هيئة الاستخبارات العسكرية من إحداث تغيير في النظام الإثيوبي، الأمر الذي دفع التمرد إلى الانتقال نحو يوغندا حيث لم تتوفر له نفس المميزات، وكان ذلك من عوامل هزيمته.

هذه التجربة التاريخية تؤكد أن الأمن الوطني السوداني ظل مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالجبهة الشرقية، وأن أدوات القوة الصلبة كانت جزءاً من استراتيجية السودان في تلك المرحلة.

لكن في السياق الراهن، فإن إعادة العلاقات بين السودان وإثيوبيا تتطلب مزيجاً من القوة الناعمة والقوة الصلبة. فالقوة الناعمة تقوم على تعظيم المصالح المشتركة مثل التعاون في ملف سد النهضة، الاستفادة من تنظيم تدفق المياه وزيادة تسويق الكهرباء، فتح منافذ تجارية لإثيوبيا عبر البحر الأحمر، وتعزيز الروابط الاجتماعية والثقافية بين القبائل المشتركة على الحدود. هذه المصالح تمثل الجزرة التي يمكن للسودان أن يقدمها لإثيوبيا لضمان علاقة قائمة على المنفعة المتبادلة.(سيفوق ذلك ماتتعشمه اثيوبيا من الاخرين) ويعكس قدرة السودان على أن يكون شريكاً أساسياً في استقرار القرن الأفريقي، لا مجرد طرف ثانوي في معادلات إقليمية .

في المقابل، يظل خيار القوة الصلبة قائماً عبر التلويح بدعم المعارضة الإثيوبية أو الضغط الأمني، وهو ما يمثل العصا التي يمكن استخدامها إذا تجاهلت إثيوبيا مصالح السودان أو حاولت فرض سياسات أحادية. غير أن هذا الخيار محفوف بالمخاطر، إذ قد يؤدي إلى تصعيد إقليمي ويضر بصورة السودان كدولة تسعى للاستقرار.

ولكي يوازن السودان بين الجزرة والعصا، فإن تفعيل الدبلوماسية الدفاعية يمثل خياراً استراتيجياً أكثر استدامة. هذه الدبلوماسية تقوم على استخدام التعاون العسكري والأمني كأداة لبناء الثقة والردع في آن واحد، من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية لضبط الحدود، وإنشاء آليات إنذار مبكر لمنع النزاعات. بهذا النهج، يمكن للسودان أن يحافظ على قدرته الردعية، وفي الوقت نفسه يعزز التعاون مع إثيوبيا، بما يحقق مصالحه دون الانزلاق إلى صراع مفتوح.

إن استلهام التاريخ يوضح أن الجبهة الشرقية كانت وستظل محوراً أساسياً في معادلة الأمن الوطني السوداني، وأن الخيار الأمثل اليوم هو الجمع بين القوة الناعمة والدبلوماسية الدفاعية، مع إبقاء أدوات القوة الصلبة كوسيلة ردعية عند الضرورة، لضمان استقرار العلاقات السودانية–الإثيوبية وتعزيز موقع السودان الإقليمي في القرن الأفريقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى