عودة الصرافات الآلية للعمل..بوادر التعافي

تقرير – رحاب عبدالله

دشن بنك السودان المركزي، رسميا إعادة تشغيل المحول القومي بعد توقف استمر لأكثر من ثلاثة أعوام، ،وشهد فرع السجانة التابع لبنك أم درمان الوطني انطلاق العمليات الفعلية وتنفيذ أول عملية سحب نقدي عبر الصراف الآلي.

واكد الخبير المصرفي د.لؤي عبدالمنعم ، أن إعادة تشغيل المحول القومي وتفعيل خدمات الصرافات الآلية ونقاط البيع يسهم مباشرة في كسر أزمة السيولة عبر تقليل الاعتماد على الكاش وإعادة الكتلة النقدية إلى الدورة المصرفية الرسمية، ما عده يخفف من تكدس النقد خارج البنوك ويعزز الانسياب المالي داخل الاقتصاد الوطني. كما أن نشر ماكينات الإيداع الحديثة على نطاق أوسع من ماكينات السحب يعيد التوازن إلى الدورة المصرفية، ويقلل من حمل الكاش إلا لغرض الإيداع.

أما بالنسبة لقطاع الأعمال، فرأى أن عودة التحويلات الإلكترونية والربط البيني بين المصارف تحقق كفاءة أعلى وخفضا لتكلفة المعاملات المالية، إذ تسرع دورة رأس المال، وتقلل مخاطر النقل والحفظ، وتعزز الشفافية والمحاسبة عبر تسجيل كل العمليات إلكترونيا، وهو ما يطمئن المستثمرين المحليين والدوليين.

وفي هذا السياق تشير بيانات البنك الدولي (World Bank) و تقارير المدفوعات العالمية من كابجيميني و ماكينزي (Capgemini & McKinsey World Payments Reports) و تقارير بنك التسويات الدولية (BIS) أن التكلفة المباشرة وغير المباشرة لإصدار النقد، ونقله، وحفظه، وإدارته من قبل الحكومات والقطاع الخاص تتراوح غالبا بين 1% إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي للدول، وتصل في قطاعات التجزئة إلى ما بين 1.3% و3% من قيمة المعاملات نتيجة الهدر والسرقة وتكاليف التأمين والنقل. بينما توفر الأنظمة الرقمية الفورية كفاءة أعلى تتفاوت حسب نوع الخدمة.

ومن العوامل المؤثرة على التكلفةرسوم التبادل والخدمات حيث تفرض البنوك المركزية ومؤسسات الدفع تخفيضات دورية لسقف العمولات (مثل تسقيف رسوم الأداء الإلكتروني محلياً بين 0.15% و0.50% في بعض الاقتصاديات الناشئة والصاعدة لتشجيع التحول الرقمي). هذا وتتضمن التكلفة غير المباشرة للكاش الأخطاء البشرية، ومخاطر السرقة، والوقت المستغرق في الإدارة اليدوية للأموال الورقية، وهي تكاليف خفية تتحملها الأنشطة التجارية.

ومن الناحية التقنية والأمنية، قال لؤي إن الشبكة القومية تمتلك بنية تحتية محسنة بفضل خبرة شركة EBS، مع اعتماد بروتوكولات تشفير ومعايير حماية عالمية، وخطط استمرارية الأعمال لمواجهة الأعطال، وقابلية التوسع لاستيعاب الضغط المتوقع مع انضمام المزيد من المصارف تدريجيا. هذه الجاهزية تعطي مؤشرا على قدرة الشبكة على الاستدامة دون انقطاعات مؤثرة.

وعلى مستوى الثقة، رأى ان استعادة هذه الخدمة التقنية بإشراف بنك السودان وعبر إحدى مؤسساته تعيد رسم صورة الجهاز المصرفي السوداني كقطاع قادر على التعافي واللحاق بركب التحول الرقمي. فهي تطمئن المتعاملين بأن النظام المصرفي يستعيد زمام المبادرة في إدارة النقد، وتشجع الشركاء الدوليين على التعامل مع السودان عبر قنوات مالية حديثة وآمنة، وترسخ مفهوم الشمول المالي كركيزة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

ولدى شركة EBS القدرة التقنية لإطلاق مشاريع أكبر ضمن التحول الرقمي ومشروع الحكومة الإلكترونية، مثل التكامل المؤسسي بين البيانات المصرفية وملفات المواطن في وزارات العمل والتجارة والداخلية والصحة وجهاز المغتربين والضرائب والمؤسسات التي يعمل بها ويتعاون معها، وفق بروتوكولات قانونية صارمة تنظم صلاحيات كل جهة بما يكفل حماية الخصوصية الفردية، هذه الخطوة تعزز الشفافية والرقابة المالية، وتسهم في التخطيط الاستراتيجي على أساس مؤشرات حقيقية.

وفي كثير من الأسواق، تتيح القنوات الرقمية خفضا في تكاليف التشغيل، وهو ما قد ينعكس أحيانا كثيرة على أسعار البيع. ومن شأن هذه التخفيضات المدروسة أن تعزز الدفع الإلكتروني مما يوفر بدوره الوقت ويقلل العمالة والمعاملات الورقية.

وقال :إن عودة الصرافات الآلية وتفعيل المحول القومي ليست مجرد استعادة لخدمة مصرفية، بل تمثل خطوة عملية نحو استعادة الثقة في النظام المالي وتعزيز مسار التحول الرقمي والتعافي الاقتصادي في السودان.

غير ان الخبير المصرفي رأى د.لؤي عبد المنعم، أن تنامي السحب النقدي من البنوك، ظاهرة غير صحية، مبينا أن الأصل أن يتزاحم المواطنون على الإيداع لا على السحب، وأن تدار المعاملات اليومية عبر الدفع الإلكتروني، سواءاً في سداد الفواتير أو المواصلات العامة أو حتى عند بائعات الشاي في الطرقات. ورأى لؤي انه لتحقيق ذلك، ينبغي نشر أجهزة نقاط البيع على نطاق واسع يتجاوز المتاجر والبقالات ليشمل المطاعم والخدمات المختلفة، مع تعزيز ثقافة الدفع عبر الباركود كما هو معمول به في توثيق العقود والمكاتبات الرسمية والشهادات الأكاديمية والفواتير النهائية.

ووصف الخبير المصرفي وليد دليل ، تشغيل “المحول القومي بـ” عودة النبض إلى الشرايين” .

وقال ان عملية سحب نقدي واحدة عبر جهاز صراف آلى في فرع بنك أمدرمان الوطني بالسجانة، لم تكن مجرد إجراء مصرفي روتيني، بل كانت إعلاناً رمزياً عن استئناف نبض توقف لأكثر من ثلاث سنوات. فحين أعاد بنك السودان المركزي، بالشراكة مع ذراعه التقني شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية، تشغيل المحول القومي وربط أول مصرف به ضمن خطة تدريجية، لم يكن الحدث تقنياً محضاً بقدر ما كان محاولة لإعادة ضبط علاقة اختلت جذرياً بين المواطن السوداني والنظام المصرفي طوال سنوات الحرب، حين تحول التعامل النقدي اليدوي من استثناء إلى قاعدة، وتكدست السيولة خارج أسوار البنوك بدل أن تدور في عروق الاقتصاد وأوضح ان التكدس النقدي خارج المنظومة المصرفية لم يكن ظاهرة عابرة، بل نتيجة منطقية لانقطاع الخدمات الإلكترونية الذي أجبر الأفراد والتجار على الاحتفاظ بالكاش في المنازل والمحال بدل إيداعه، فتراجعت قدرة البنوك على تعبئة الموارد وتوظيفها، وتعمقت أزمة السيولة التي عانت منها المصارف نفسها رغم وفرة الكتلة النقدية في الاقتصاد ككل.

ورأى دليل ان إعادة تشغيل المحول القومي، حين تكتمل حلقاته بربط بقية المصارف تباعاً، تعيد فتح القناة التي تسمح بعودة هذه الأموال إلى الحسابات البنكية عبر نقاط البيع والصرافات وتطبيقات الموبايل المصرفي، فكل عملية شراء كهرباء أو سداد فاتورة تتم إلكترونياً هي في جوهرها إيداع صغير يعزز قاعدة الودائع بدل أن يبقى خارجها، وتراكم هذه العمليات اليومية بالملايين هو ما يمكن أن يخفف تدريجياً من حدة شح السيولة داخل الجهاز المصرفي.

أما على مستوى قطاع الأعمال، واضاف إن عودة الربط البيني بين المصارف تعني نهاية مرحلة كانت فيها التحويلات بين حسابات بنوك مختلفة تستغرق أياماً أو تتطلب وسطاء غير رسميين، وهو ما كان يرفع كلفة كل معاملة تجارية بشكل غير مباشر عبر الوقت الضائع ومخاطر التعامل النقدي. حين تُنجز التحويلات إلكترونياً وفورياً بين المصارف، تنخفض تكلفة رأس المال العامل للشركات، وتتحسن دورة السيولة التشغيلية للتجار والموردين، ويصبح بإمكان المنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل العمود الفقري لأي تعافٍ اقتصادي بعد الحرب، أن تتعامل مع عملائها ومورديها دون الاعتماد الكامل على النقد الذي يحمل مخاطره الأمنية واللوجستية الخاصة في بيئة ما تزال هشة.

غير أن وليد دليل رأى ان الحماس لهذه الخطوة يجب أن يقترن بتساؤل جاد حول جاهزية البنية التحتية لتحمل الضغط المتوقع عليها. فالشبكة القومية التي أعيد تشغيلها بعد سنوات من التوقف والاستنزاف ليست مجرد خوادم وبرمجيات، بل منظومة تعتمد على استقرار الكهرباء والاتصالات في وقت لا تزال فيه هذه الخدمات ذاتها تعاني من انقطاعات متكررة في مناطق واسعة من البلاد. كما أن التوسع السريع في عدد المصارف والمعاملات المرتبطة بالشبكة يفرض متطلبات أمنية سيبرانية متصاعدة، ذلك أن كل نقطة اتصال جديدة تمثل نقطة ضعف محتملة إن لم تواكبها استثمارات مماثلة في الحماية والمراقبة، وهو تحدٍّ لا تحسمه سرعة الربط بقدر ما تحسمه جودته واستدامته على المدى المتوسط.

Exit mobile version