أيمن أحمد المصطفى
في العديد من الخطابات العامة، سواء في الإعلام أو المنابر السياسية، أو حتى في الحوارات اليومية بين الناس، تُصور الخرطوم مفتاحا أساسيا للخروج من الأزمة الراهنة، أو نقطة انطلاق حاسمة نحو الاستقرار، أو رمزا قويا للعودة الوطنية التي طال انتظارها.
غير أن الواقع الإنساني، بكل تعقيداته وطبقاته المتعددة، يتجاوز هذا التبسيط بكثير، حيث يتداخل فيه الجانب النفسي مع الاجتماعي والاقتصادي.
فالخرطوم لا تمثل حلا مستقلا يمكن الاعتماد عليه وحده، وإنما هي انعكاس صادق ودقيق لما يدور في أرجاء البلاد كلها، من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب. لذا، إذا بدت الخرطوم هشة في بنيتها التحتية أو في أمنها اليومي، فإن ذلك يشير مباشرة إلى هشاشة أكبر تمتد إلى كل المناطق.
وبالمثل، إذا أظهرت الخرطوم قدرة ملحوظة على التعافي، سواء من خلال إعادة فتح الأسواق، أو عودة الحركة التجارية، فإن هذا يدل على إمكانية تعافٍ أوسع يشمل الدولة بأكملها، شريطة أن يكون هذا التعافي عاما وشاملا، غير انتقائي يركز على فئات معينة دون غيرها، ويأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات المتنوعة للسكان.
العودة إلى الخرطوم لا تضمن بالضرورة عودة السودان ككيان متماسك، ومع ذلك قد تشير بوضوح إلى محاولة السودان استعادة جزء مهم من هويته الضائعة أو المفقودة مؤقتا.
يسعى السودان هنا إلى استعادة شيء من نفسه، وإن كان ذلك جزئيا فقط، من خلال هذه العودة، أو عبر محاولات غير مكتملة تفتقر إلى الدعم الكافي، أو من خلال طرق بطيئة مليئة بالعثرات والتحديات اليومية، مثل نقص الخدمات الأساسية أو التهديدات الأمنية المستمرة.
ومع هذا، فإن المحاولة وحدها غير كافية على الإطلاق، ما لم تتحول إلى مشروع حياة متماسك ومنظم، يعيد تشكيل الرابطة العميقة بين الإنسان والمكان الذي يعيش فيه، وبين المواطن والدولة التي يفترض أن تحميه، وبين المجتمع ككل ومستقبله الذي يجب أن يكون مشرقا ومبنيا على أسس قوية. معنى العودة في بلد لم ينتهِ الفقدان فيه بعد
من أكثر الأبعاد تعقيدا وألما في العودة ضمن السياق السوداني الحالي، الذي يشهد نزاعات مستمرة وأزمات إنسانية متفاقمة، أن الفقدان لم يصل إلى نهايته بعد، بل يستمر في التفاقم يوما بعد يوم. كثيرون من السكان لم يعلموا بعد بمصير أحبتهم المفقودين في خضم الصراعات، وآخرون لم يودعوا مدنهم بشكل رسمي أو عاطفي، بينما لم يحصل آخرون على فرصة حقيقية للحداد الطبيعي الذي يساعد في الشفاء، أو على وقت كافٍ لاستيعاب ما أصابهم من خسائر مادية ونفسية.
وسط هذا التعليق النفسي الجماعي، الذي يشبه حالة من الجمود العاطفي، تتحول العودة إلى عملية غير مكتملة تماما، إذ تحدث قبل إغلاق صفحات الفقدان بشكل نهائي، وقبل إعادة ترتيب المعاني والقيم التي اختلت بسبب الأزمات.
العودة هنا لا تشبه تلك التي تحدث بعد انتهاء الحروب الكبرى تاريخيا، مثلما حدث بعد الحرب العالمية الثانية أو حروب أخرى في أفريقيا، حيث يعود الناس عقب اتفاقات سلام واضحة وبدايات سياسية جديدة مليئة بالأمل.
على العكس تماما، فهي تشبه العودة وسط الضباب الكثيف، في زمن غامض مليء بالشكوك والمجهول، من دون يقين يمكن الاعتماد عليه، ومن دون ضمانات أمنية أو اقتصادية ملموسة، ومن دون رواية وطنية تجمع الألم المتناثر في قصة مفهومة وموحدة تساعد في الشفاء الجماعي.
وهذا الوضع بالتحديد هو ما يجعل العودة في السودان اليوم تجربة إنسانية ثقيلة الوزن، محملة بالأعباء النفسية والاجتماعية، لا لحظة تحرر واضحة الحدود أو سهلة التحقيق. هل تعني عودة الخرطوم عودة السودان؟
عند إعادة صياغة السؤال بصورته الأعمق والأكثر شمولا، فإنه لا يرتبط بالجغرافيا الخالصة بقدر ارتباطه بالمعنى الإنساني والاجتماعي العميق.
هكذا يغدو السؤال: هل تعني عودة الخرطوم استعادة الشعور بالأمان اليومي الذي فقده الناس؟ هل تشمل عودة الثقة في المستقبل الذي يبدو غامضا الآن؟ هل تتضمن استعادة القدرة على التخطيط للحياة دون خوف مستمر من الانهيار المفاجئ أو النزاعات الجديدة؟ هل تشير إلى عودة الأطفال إلى مدارس مستقرة وآمنة، والمرضى إلى مستشفيات مجهزة بكل الاحتياجات، والعمال إلى وظائف تحافظ على كرامتهم؟
إذا كانت الإجابة إيجابية عن هذه الأسئلة، فمن الممكن تماما أن تكون عودة الخرطوم مؤشرا حقيقيا وموثوقا على عودة السودان كدولة متماسكة. أما إذا كانت الإجابة سلبية أو مشككة، فإن العودة تبقى ناقصة، رمزية فقط، جزئية في تأثيرها، غير قادرة على الوصول إلى مستوى التحول الذي يشمل الجميع. العودة كمسار ممتد لا كلحظة حاسمة
أخطر ما يهدد دلالة العودة وفاعليتها هو تحويلها إلى لحظة حاسمة واحدة تُعلق عليها آمال غير واقعية ومبالغ فيها، مما يؤدي إلى خيبة أمل لاحقة.
العودة هي انتقال تدريجي من الانفصال العاطفي والجسدي إلى المحاولة الجادة، ومن النزوح القسري إلى إعادة الاستقرار الطوعي، ومن الغياب المؤلم إلى المواجهة اليومية مع الواقع. ومع ذلك، فهي ليست حلا بحد ذاتها يمكن الاعتماد عليه فورا، ولا يمكن إثقالها بما يفوق طاقتها البشرية والمادية، مثل توقع عودة كاملة للخدمات في وقت قصير.
العودة الحقيقية تتطلب وقتا طويلا مليئا بالتحديات، وصبرا جماعيا يشمل كل فئات المجتمع، وإعادة بناء تدريجية ومنهجية للثقة بين الناس، وللخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء والتعليم، وللنسيج الاجتماعي الذي تمزق بسبب النزاعات، وللمعنى المشترك الذي يجمع الشعب تحت راية واحدة.
في هذا السياق الواسع، يمكن اعتبار عودة الخرطوم خطوة أولية مهمة، وإشارة قوية إلى أن الناس لم يتخلوا عن مدنهم التاريخية، ولم يستسلموا لفكرة الفقدان الدائم الذي يهدد هويتهم، ولم يقطعوا صلتهم بالمكان نهائيا رغم كل الصعاب. ومع هذا، فهي ليست دليلا قاطعا أو كافيا على تعافي الوطن بشكل كامل، إذ يجب أن يمتد التعافي إلى كل المناطق المتضررة.
الخرطوم: نافذة أمل أم اختبار صعب للتعافي؟
يمكن للخرطوم أن تكون نقطة انطلاق حاسمة نحو التعافي، غير أنها لا تستطيع أن تكون اختصارا لكل المشكلات. يمكن أن تكون مرآة صادقة تعكس الواقع، ويمكن أيضا أن تكون خطوة أولى في سبيل العودة الكبرى، لكنها لا تختصر المسار الكامل الذي يتطلب مشاركة جميع الأطراف.
وحتى يتحقق ذلك كله، ستبقى عودة الخرطوم سؤالا مفتوحا يثير النقاشات، لا إجابة نهائية محكمة يمكن الركون إليها.