عن “احتكار التمثيل” بوصفه عقبة تجاه وحدة الصف المدني

د.ناهد محمد الحسن
من خلال حواراتي الطويلة مع الناس هنا في فيسبوك، لمست شيئًا يتكرر بصيغ مختلفة، أحيانًا بهدوء وأحيانًا بغضب، لكنه ثابت في جوهره: كثيرون لا ينفرون من فكرة العمل المشترك في ذاتها، بل من شعورهم بأنهم غير ممثَّلين فيه، أو أن وجودهم لا يغيّر شيئًا في مساره. هذا الإحساس، الذي يبدو للوهلة الأولى شخصيًا أو انفعاليًا، هو في الحقيقة تعبير عن أزمة سياسية عميقة اسمها احتكار التمثيل.
احتكار التمثيل لا يعني فقط أن جهة ما تتحدث باسم الآخرين، بل أن تعتبر نفسها المعبّر الشرعي الوحيد عنهم، والممر الإجباري لأي قرار، وصاحبة الحق في تعريف من هو الداخل ومن هو الخارج، وما هو المقبول وما هو المرفوض. حين يتحول التمثيل من وظيفة مؤقتة قابلة للمساءلة إلى ملكية رمزية مغلقة، تنتقل السياسة من مجال التعدد والصراع إلى مجال الوصاية. هنا لا يعود الخلاف موردًا سياسيًا، بل يصبح تهديدًا، ولا تعود المشاركة فعل تأثير، بل طقس حضور بلا أثر.
في الفلسفة السياسية، التمثيل لا يكون شرعيًا إلا بقدر ما يبقى تفويضًا قابلًا للسحب. أي لحظة يتحول فيها من أداة لتمكين الناس إلى بديل عنهم، يبدأ في فقدان معناه. وفي علم الاجتماع السياسي، يُنظر إلى هذا النوع من التمثيل بوصفه شكلًا من أشكال العنف الرمزي: ليس لأنه يقمع الناس بالقوة، بل لأنه ينزع عنهم الإحساس بالفاعلية. الناس لا تنسحب لأنها “غير واعية” أو “غير سياسية”، بل لأنها تشعر أن القرار محسوم سلفًا، وأن المشاركة لا تغيّر النتائج، وأن السياسة تُدار في فضاء مغلق لا يُخترق.
من منظور علم النفس السياسي، هذا الإحساس المتكرر بعدم التأثير يولّد ما يُعرف بالعجز المتعلَّم. حين يتعلم الفرد أو المجموعة، عبر التجربة، أن أصواتهم لا تُحدث فرقًا، يتحول الحماس إلى إنهاك، والاختلاف إلى عداء، والعمل المشترك إلى عبء نفسي. هنا تظهر عبارات مثل “كلهم واحد” أو “ما في فرق”، لا بوصفها تسطيحًا، بل كأعراض انسداد سياسي.
التاريخ يعطينا أمثلة واضحة على خطورة احتكار التمثيل. في الثورة الفرنسية، حين احتكر اليعاقبة تمثيل “إرادة الثورة” باسم الفضيلة، تحولت السياسة إلى محاكمة أخلاقية دائمة، وانتهى الأمر بالإرهاب ثم بانهيار المشروع نفسه. لم تفشل الثورة لأن مبادئها كانت خاطئة، بل لأن تمثيلها اختُزل في نخبة اعتبرت نفسها وحدها تجسيد الشعب.
في المقابل، حين نبحث عن تجارب نجحت نسبيًا في تجنب هذا المصير، نجد أن كسر احتكار التمثيل كان عاملًا حاسمًا. في بولندا، لم تدّعِ حركة “تضامن” أنها الشعب كله، ولم تحتكر تعريف الوطنية أو التغيير. النقابات فتحت المجال لتوسيع القاعدة الاجتماعية، وربطت القيادة بالفعل القاعدي، فخلقت ضغطًا حقيقيًا من الأسفل إلى الأعلى. وفي جنوب أفريقيا، لم يُختزل النضال ضد الأبارتهايد في قيادة واحدة أو صوت واحد. تعددت المسارات بين أحزاب ونقابات ومجتمع مدني، وبقي التمثيل موزعًا، ما سمح بإدارة الصراع دون قطع الصلة بالمجتمع.
حين نعود إلى السودان، تتضح المشكلة بحدة أكبر. ما واجهناه بعد 2019 لم يكن فقط فشل اتفاق أو سوء تقدير سياسي، بل تحويل التمثيل إلى ملكية نخبوية. اختُزلت “المدنية” في طاولات، وتحولت المشاركة الشعبية إلى حضور رمزي، بلا أدوات حقيقية للتأثير أو التعديل. كثيرون شعروا أن العمل المشترك يُطلب منهم بوصفه اصطفافًا صامتًا لا صراعًا مفتوحًا، وأن الخلاف مسموح فقط ما دام لا يغيّر شيئًا. هنا بدأ النفور، لا من الوحدة، بل من وحدة لا تُشرك.
المشكلة إذن ليست في التعدد، بل في إدارة التعدد بعقلية الوصاية. وليست في غياب القيادة، بل في شكل القيادة نفسها. التجربة تقول بوضوح: العمل المشترك يفشل حين يُدار بهرمية مغلقة، وينجح حين يُبنى من القاعدة إلى الأعلى.
من هنا، إذا أردنا مسارًا يجمع الناس فعلًا، لا بد من كسر منطق القيادة المحتكرة، واستبداله بقيادة قاعدية تمثيلية. كتلة حرجة لا تُقاد من رأس ثابت، بل من مجلس ممثلين عن كل المجموعات المشاركة، يُنتخبون من قواعدهم، وتكون القيادة دورية بالتناوب، كل أربعة أشهر مثلًا، او ما يراه الناس مناسبا بحيث تتاح للجميع فرصة متساوية للمشاركة وتحمل المسؤولية. قيادة تخضع في كل ما تقوله وتفعله لإجماع قاعدي، لا لإرادة نخبة أو حسابات مغلقة.
بهذا الشكل فقط، يمكن للعمل المشترك أن يستعيد معناه بوصفه مساحة صراع منتج لا واجهة، ومسار تمكين لا اصطفاف. فالوحدة التي لا تسمح بالتأثير لا تُنتج قوة، بل صمتًا. أما الوحدة التي تُدار من القاعدة، فهي وحدها القادرة على تحويل الاختلاف من عائق إلى طاقة، ومن خوف إلى فعل.
@highlight
في الاسفل جانبا من حضور ميثاق القاهرة



