عندما ظهرت عدد من قيادات صمود قبل أسبوع تعلن أنها بصدد تقديم مفاجأة للشعب السوداني ظهر غد كان الانتظار على أحر من الجمر لمعرفة المفاجاة، و بالضرورة تكون سياسية بسبب الداعين إليها، كانت المفاجأة هي العودة إلي “لجنة إزالة التمكين” التي وصفها الأستاذ محمد ضياء الدين القيادي في حزب “البعث الأصل – السنهوري” في مقال له بصحيفة الراكوبة بعنوان “الحزب الشيوعي السوداني أفاق العزلة و مآلات الجذرية” نشر في 21 مارس 2026م،.. و كنت قد كتبت مقالا ينقد مقال محمد ضياء الدين.. و هنا لا أريد أن أرجع للمقال و لكن لابد من النظر للظاهرة السياسية في تراجعها، و تراجع الوعي في أبعاده السياسية و الثقافية عند المجموعة التي حكمت الفترة الانتقالية..
كان المتوقع من الأحزاب التي حكمت في الفترة الانتقالية، أن تقيم تجربتها و تنقدها نقدا علميا لكي بهدف معرفة الأسباب التي أدت إلي فشل الفترة الانتقالية، و حقيقة من هي الجهات المسؤولة عن هذا الفشل؟ و لكن من خلال تجربة الفترة الانتقالية السابقة، و العناصر التي قدمت لقيادة العملية السياسية، تبين أن النقد كأداة وعي معرفي و سياسي، ربما يشكل لها أعترافا ضمنيا بأنها لم تكن بقدر المسؤولية.. و أنها لا تربط بين موقفها الرافض للتعديلات التي حدثت للوثيقة الدستورية. و بين الرجوع و الاعتماد لذات لوثيقة الدستورية مرة أخرى.. و كانت هذه المجموعة قد اعتبرت التعديلات في الوثيقة الدستورية غير شرعية.. ثم فجأة بعد فترة تعلن العودة ” للجنة إزالة التمكين” التي كانت قد صدرت بقانون بموجب الوثيقة الدستورية..
مجموعة صمود، و أحزاب الفترة الانتقالية، و التي تريد أن تتوحد مرة أخرى بعد الانقسامات التي كانت قد طالتها، عجزت أن تتوحد عبر مشروع سياسي جديد تقدمه للشعب السوداني، و رجعت تبحث في اضابير الفترة الانتقالية و لم تجد غير ” لجنة إزالة التمكين” في اعتقاد أن اعمال اللجنة كانت تحظى بدعم شعبي.. لأنها في ذالك الوقت لم تلتفت إلي الانتقادات التي كتبت عن اللجنة.. في مقال بعنوان ” إزالة التمكين و مآلات التحدي السياسي” نشر في جريدة “الانتباهة” يوم 8 مارس 2021م يقول المقال (أن الذي يريد أن يفكك نظاما شموليا، و يحارب فساد ذلك النظام، يتخذ الوسائل التي تخدم النظام الجديد، أي أن تقدم في كل خطوة يخطوها في إجراءات العدالة الفارق القيمي بين النظامين، حتى يشعر الناس بالفارق الكبير بينهما، أما إذا كان الخلاف فقط في الشعارات المرفوع دون تقيد بها في الممارسة، ما هو الذي يدفع الناس لحماية نظام يريد أن يخضعهم مرة أخرى للديكتاتورية( حقيقة أن الوعي بالديمقراطية كان ضعيفا وسط تلك القيادات، كان الهدف هو القبض على مفاصل السلطة و خلق نظاما شموليا أخر، بشعارات تبين محدودة الوعي السياسي عند هؤلاء..
عندما يحدث تغييرا سياسيا في البلاد، و تكون المطالبة من خلال رفع شعارات ديمقراطية بهدف ” تحول ديمقراطي ” في البلاد و تفشل القيادة في تنزيلها على الأرض، سوف تتحول بعد الفشل مباشرة إلي قوى ديكتاتورية، و تعمل أن تفرض وجودها و أرائها عبر القوة و التخويف للمواطنين.. كان المطلوب تعليم الناس الممارسة الديمقراطية و أحترام القوانين، و اللوائح.. الآن أن العودة إلي لجنة إزالة التمكين تبين، أنهم شعروا أن الشعب يقف في الجانب الأخر منهم، و اعتقدوا ان الدعوة لعودة “لجنة إزالة التمكين” سوف تعود لهم بتأييد الشارع، و هذه قراءة خاطئة، و عدم تقدير للوعي الشعبي، و من جانب أخر؛ ضعف للتقديرات السياسية لهؤلاء القيادات، و من جانب أخر تبين أن هذه القوى قد شعرت بأنها أصبحت منبوذة جماهيريا، و غير مرغوب فيها، لذلك تسعى لإجاد بدائل لمسمياتها القديمة، الأمر الذي يبين حالة الأزمة التي يعيشون فيها..
في مقال محمد ضياء الدين كتب عن لجنة إزالة التمكين (إن الدعوة اليوم ليست إلى تمييع المواقف أو التنازل عن المبادئ، “الدعوة الضرورة” هي لأهمية التنسيق العملي بين قوى الثورة حول المهام العاجلة إلى حين إستكمال شروط بناء الجبهة العريضة للديمقراطية والتغيير، بوصفها أداة الثورة الجامعة التي يتطلع إليها الشعب السوداني لتشكّل المخرج لأزمة التطور الوطني( الغريب في الأمر؛ أن البعض يطلق مصطلحات دون استيعاب مقاصدها، الثورة هي أداة هدم و ليست أداة بناء، و المؤسسات الي تؤسس بقوانين الدولة هي أدوات مؤسسية خاضعة للقوانين في الدولة و بالتالي لآ تكون أداة ثورية مادام مقيدة بالقوانين.. لكن واحدة من الثقافة التي أفرزتها ثورة ديسمبر، هي ” الثورة و الثورية” و التي تختلف دلالاتها السياسية من أداة هدم، إلي توصيف وظيفي للشباب بهدف التعبئة و الحشد، الأمر الذي يربك العقل و الوعي السياسي..
أن ضبابية التوصيف السياسي، و استخدام المصطلحات بعيدا عن مدلولاتها المعرفية، بالفعل تؤدي إلي تزيف للوعي.. أن اليسار التقليدي يحاول أن يقدم مدلول مطاطي للمصطلحات، أن الثورة في الفلسفة الماركسية عندها مفهوم واحد باعتبارها أداة البروليتاريا من أجل السيطرة على وسائل الانتاج التي تعد مرحلة لبناء المجتمع الاشتراكي و من ثم الشيوعي.. و عندما ترتبط الثورة بالديمقراطية كما يشير إليها عبد الخالق محجوب في خطابه للتجاني الطيب هي لطريق إلي الاشتراكية.. فهي مفهومه في الماركسية.. و تختل في المعني عند القوى السياسية الأخرى خاصة البعثيين الذين يفتقدوا لغياب المرجعية الفكرية، و استلافهم من الماركسية يؤدي إلي التغبيش.. لذلك استخدامها في مقال ضياء الدين ليس لها مدلول غير إنها أداة لكن لتحقيق ماذا؟ غير معرفة، لأنها تتعدد استخداماتها في الخطاب البعثي، و بمعنى أصح في الاستخدام عند القوميين… نسأل الله حسن البصيرة..