أ.د. عبدالحليم موسى ليست الأرض مجرد قطعة من التراب، وإنما هي ذاكرة وهوية وامتداد للإنسان عبر الزمن، ومنذ أن عرف البشر الاستقرار أصبحت الأرض عنوانا للانتماء، ومصدرا للأمان، ووعاء للحقوق التي لا تستقيم الحياة من دونه، ولذلك أحاطتها التشريعات عبر التاريخ بضمانات قانونية، لأنها تمثل أحد أهم أركان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وقد أدرك الفلاسفة أن حماية الملكية ليست مجرد قضية قانونية، بل أساس لاستقرار المجتمع وثقة الإنسان في دولته. غير أنّ ما يحدث في السودان يكشف مفارقة مؤلمة، فالأرض التي يفترض أن تمنح الناس الطمأنينة أصبحت مصدرا للنزاعات والخصومات، فكم من قطعة أرض بيعت أكثر من مرة، وكم من أسرة فوجئت بعد سنوات بظهور عقود أخرى للقطعة نفسها، لتبدأ رحلة طويلة بين المحاكم والانتظار، وتتعدد صور هذا الفساد؛ فقد يبيع المالك الأرض لأكثر من شخص بالتواطؤ مع بعض السماسرة، أو يتم تزوير مستندات المالك أو المشتري، أو تستغل الثغرات الإجرائية وضعف التوثيق وبطء التسجيل وغياب قواعد البيانات الحديثة، ويزداد الأمر تعقيدا عندما يكون الضحية مغتربا أو مواطنا يجهل الإجراءات القانونية، فيتحول حلم امتلاك الأرض إلى أزمة لا تنتهي. وتذكرني هذه الفوضى بقصة يرويها رجال القانون عن أحد قضاة المحكمة العليا، الذي اكتشف أثناء نظره قضية نزاع على أرض أنّ منزله يقع داخل حدودها، فتنحى عن القضية لأنه أصبح طرفا فيها بصورة غير مباشرة، وهذه قصة تكشف مدى التعقيد الذي قد تبلغه نزاعات الأراضي عندما تختلط الحقوق بالتزوير والادعاءات، وفي تقديري ليست المشكلة في النصوص القانونية بقدر ما هي في تطبيقها وإنفاذها، وقد قال اللورد دينينغ: “العدالة ليست في وجود القانون فحسب، وإنما في حسن تطبيقه”، فالقانون لا يحمي المجتمع بمجرد وجوده، وإنما تحميه مؤسسات نزيهة، وقضاء مستقل، وإدارة كفؤة، وسجل عقاري موثوق. ولعل أكثر الفئات تضررا هم المغتربون، الذين يشترون الأراضي ثم يغادرون قبل استكمال إجراءات التسجيل، ليعود بعضهم بعد سنوات ويجد أنّ الأرض بيعت مرة أخرى أو أصبحت محل نزاع، كما أنّ ضعف الثقافة القانونية يزيد من حجم المشكلة، إذ لا يدرك كثير من المواطنين أنّ عقد البيع وحده لا يكفي، وأنّ التسجيل النهائي هو الضمان الحقيقي للملكية، فيعتمدون على الثقة الشخصية أو الاتفاقات العرفية، وهو ما يفتح الباب أمام المحتالين، ولا يقل وعي المواطن القانوني أهمية عن تطوير الأنظمة والتشريعات، فجزء من الأزمة يرتبط بضعف الثقافة القانونية وعدم الإلمام بإجراءات التسجيل والتقاضي ووسائل حماية الحقوق. فكثير من المواطنين لا يحتفظون بالمستندات الأصلية، أو يؤجلون تسجيل الملكية، أو يترددون في اللجوء إلى القضاء في الوقت المناسب، ظنا أنّ المشكلة ستحل بالتراضي أو بالوساطات الاجتماعية. وتمتاز الشخصية السودانية بقيم راسخة مثل التسامح والعفو وحسن الظن بالآخرين، وهي قيم أسهمت في تماسك المجتمع عبر عقود، إلا أنها قد تتحول إلى نقطة ضعف عندما يتعلق الأمر بجرائم التزوير والاحتيال على الأموال والحقوق. فالتساهل مع الجناة أو التنازل عن ملاحقتهم قد يشجع آخرين على تكرار الجريمة ويضعف هيبة القانون، فالعفو قيمة أخلاقية عظيمة في الحقوق الخاصة، لكنه لا ينبغي أن يكون على حساب المصلحة العامة أو أن يتحول إلى سبب لإفلات المزورين والمحتالين من العقاب، لأنّ العدالة لا تحمي الضحية وحدها، وإنما تحمي المجتمع كله من تكرار الجريمة، ومن هنا يصبح نشر الثقافة القانونية، وتعريف المواطنين بإجراءات التقاضي وحقوقهم وواجباتهم، جزءا أصيلا من منظومة الوقاية، فلا يكفي وجود القوانين إذا ظل المواطن يجهل كيفية الاستفادة منها أو الدفاع عن حقوقه بالوسائل القانونية المشروعة. وهنا ندرك أنّ هيبة القانون تقاس بقدرته على حماية الحقوق وإنفاذ العدالة بسرعة وحزم، وقد قال مونتسكيو: “الحرية هي حق الإنسان في أن يحتمي بالقانون”، فإذا ضعف تنفيذ القانون أو أفلت المزور من العقاب، تراجعت ثقة المواطن في العدالة وفي مؤسسات الدولة، ولم تعد أزمة الأراضي في السودان مجرد نزاعات فردية، بل أصبحت قضية تمس سيادة القانون والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، نتيجة ضعف تحديث السجل العقاري، واستمرار الاعتماد على الوثائق الورقية، وتعدد الجهات المختصة بإثبات الملكية؛ أما الحلول، فهي تبدأ برقمنة السجل العقاري، وربط جميع الولايات بقاعدة بيانات موحدة، واعتماد التحقق الإلكتروني من هوية أطراف التعاقد، وتشديد العقوبات على جرائم التزوير والاحتيال، مع تسهيل إجراءات التسجيل، خاصة للمغتربين. وفي عصر الذكاء الاصطناعي أصبح من الممكن إنشاء سجل عقاري ذكي يربط الخرائط والملكية والهوية والتوثيق في منظومة واحدة، تكشف محاولات التلاعب قبل وقوعها، وتمنع بيع الأرض الواحدة لأكثر من شخص، مما يعيد الثقة إلى سوق العقارات. إنّ أزمة الأراضي ليست أزمة ملكية فحسب، بل أزمة ثقة بين المواطن والدولة، وقد عبر الفقيه الفرنسي رينيه دافيد عن ذلك بقوله: “سيادة القانون هي الضمانة الحقيقية لاستقرار المجتمع، لأنّ الحقوق لا تحيا بالنصوص وحدها، وإنما بثقة الناس في حمايتها”. ويبقى السؤال مطروحا: كم من الأسر يجب أن تتضرر، وكم من المغتربين يجب أن يخسروا مدخرات العمر، قبل أن تتحول حماية الملكية العقارية إلى مشروع وطني لا يقبل التأجيل؟ فالعدالة الحقيقية لا تبدأ داخل قاعة المحكمة، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، يوم يصبح من المستحيل أن تباع الأرض الواحدة مرتين، ويوم يدرك الجميع أن القانون ليس مجرد نصوص تقرأ، بل منظومة أخلاقية ومؤسسية تحرس الحقوق، وتصون الكرامة، وتبني الثقة بين المواطن والدولة، فالأوطان لا تبنى بالإسمنت وحده، وإنما تبنى حين تصبح العدالة أساسا لكل حجر، ولكل أرض، ولكل إنسان. ختاما فإن إصلاح ملف الأراضي ليس مجرد معالجة لنزاعات عقارية، بل هو استعادة لهيبة الدولة وترسيخ لسيادة القانون، فكل أرض تحفظ من التزوير، وكل حق يصان من الضياع، وكل مواطن يطمئن إلى أنّ ملكيته محمية بالقانون، هو لبنة جديدة في بناء وطن تسوده العدالة، وحين تصبح حماية الملكية مسؤولية مشتركة بين المواطن الواعي، والمؤسسة النزيهة، والقضاء العادل، والتقنية الحديثة، لن تكون الأرض مجالا للصراع، بل ستعود كما كانت دائما رمزا للاستقرار، وعنوانا للانتماء، وأساسا للتنمية والنهضة.