كثير من الدول تضع الاستراتيجيات و الخطط، لكن الفارق الحقيقي يظهر في قدرتها على تحويلها إلى واقع. فالاستراتيجية وحدها لا تصنع النهضة؛ إنها تحتاج إلى إرادة تحميها، و عزيمة تدفعها، و مؤسسات تنفذها، و صبر يسمح لنتائجها بأن تتراكم عبر الزمن.
و النهضة بطبيعتها مشروع طويل، لا يسير في طريق مستقيم أو معبد. تتغير الظروف، و تظهر الأزمات و الحروب، و تتبدل الأسواق، و تتسارع التكنولوجيا، و تظهر منافسة جديدة، و قد تتجاوز التطورات ما أُعدت له الخطة. و هنا تظهر قيمة الإرادة الحقيقية: التمسك بالغاية مع القدرة على تطوير الوسائل.
و تقدم تجارب دول مثل تركيا و ماليزيا و إندونيسيا و سنغافورة دروساً مهمة في هذا الجانب. فرغم اختلاف ظروفها، فإن مساراتها تؤكد أن التحول الكبير يحتاج إلى نفس طويل، و إلى إرادة تصبر على الطريق، و قدرة على التعلم و التطوير و الاستمرار. فالنهضة تتشكل عبر تراكم السياسات و الاستثمارات و الخبرات و المؤسسات.
و من هنا فإن الإرادة تسبق الموارد في كثير من الأحيان. فعندما تتوافر الإرادة، يبدأ البحث عن الموارد، و تظهر البدائل، و تولد الحلول، و تتطور الرؤية. و قد لا تملك الدولة في البداية كل ما تحتاج إليه، لكنها تستطيع أن تبحث عما ينقصها، و تستثمر ما لديها، و تطور مشروعها أثناء التنفيذ.
و لهذا فالاستراتيجية ليست وثيقة جامدة؛ إنها مسار حي يتعلم من تجربته. قد تتغير الوسائل، أو تتبدل الأولويات، أو تظهر تحديات لم تكن في الحسابات، لكن الدولة التي تمتلك إرادة راسخة تراجع و تعدل و تطور، دون أن تفقد اتجاهها.
الاستراتيجية كائن حي:
و من الشروط الرئيسية للنهضة أن ندرك أن الاستراتيجية كائن حي، لها دورة حياة ينبغي أن تكتمل. تبدأ بالإرادة، ثم الرؤية و تحديد الأهداف، فالاستراتيجية و السياسات و البرامج، ثم التنفيذ و المتابعة و التقييم، فالمراجعة و التطوير، حتى تتراكم النتائج و تقود إلى النهضة.
و هنا يصبح الصبر و المصابرة جزءاً أصيلاً من الاستراتيجية؛ فهما ما يمنحانها الوقت الكافي حتى تكتمل دورتها، مع تطوير وسائلها و الحفاظ على اتجاهها. فتغيير الاستراتيجية قبل اكتمال دورتها يبدد التراكم و يعيد البداية من جديد.
الإرادة → الرؤية و الأهداف → الاستراتيجية → السياسات و البرامج → التنفيذ → المتابعة و التقييم → المراجعة و التطوير → التراكم → النهضة.
غير أن إرادة الدولة وحدها لا تكفي. فالاستراتيجيات الكبرى تحتاج إلى إرادة مجتمع. و لا يمكن بناء هذه الإرادة بمعزل عن الناس؛ إذ يحتاج المجتمع إلى معرفة اتجاه الدولة، و فهم أهدافها، و إدراك دوره في تحقيقها.
لذلك ينبغي أن تبدأ المشاركة منذ إعداد الاستراتيجية، من خلال إشراك الخبراء و المتخصصين و المؤسسات و أصحاب المصلحة، كلٌّ في مجال اختصاصه. ثم تأتي مرحلة التهيئة و التواصل بعد اعتمادها، لشرح أهدافها و مراحلها و أدوار الوزارات و الهيئات و المؤسسات، حتى يدخل الجميع إلى التنفيذ و هم يعرفون ما المطلوب منهم و لماذا.
و هنا تصبح المعلومة جزءاً من عملية البناء. فتمليك الناس المعلومات التي يحتاجون إليها يخلق الفهم، و الفهم يفتح باب المشاركة، و المشاركة تولد الإحساس بالمسؤولية، و المسؤولية تدعم الاستمرارية.
و في عصر تعددت فيه وسائل التواصل، تستطيع الدولة أن تصل إلى مختلف شرائح المجتمع بالوسيلة و الأسلوب و اللغة التي تناسبها. و المطلوب أن يكون التواصل مستمراً و متدرجاً و واضحاً، بحيث تصل الفكرة إلى كل فئة بالمستوى الذي تستوعبه، دون أن تفقد مضمونها.
و تبقى الشفافية و التجرد من أهم شروط بناء الثقة. فالشفافية تعني أن يعرف المجتمع أهداف الاستراتيجية، و ما تحقق منها، و ما تعثر، و أسباب التعثر، و ما الخطوة التالية. و التجرد يعني أن تتجاوز الاستراتيجية الأشخاص و الحكومات و المصالح الضيقة، لتصبح المصلحة الوطنية معيارها الأول.
و عندما يفهم المواطن أن نجاح الاستراتيجية يرتبط بحياته و مستقبل أبنائه، تتحول المشاركة من واجب إلى قناعة. و عندما يدرك الموظف العام أن نجاح المؤسسة التي يعمل فيها جزء من نجاح الدولة، يصبح أداؤه أكثر ارتباطاً بالغاية الوطنية.
و هنا تبلغ الاستراتيجية إحدى أعلى درجات قوتها: أن يشعر كل مواطن بأن له سهماً في نهضة بلاده. عندها تتحول الخطة من وثيقة داخل مؤسسات الدولة إلى مشروع وطني يشارك المجتمع في فهمه و تنفيذه و حمايته و استمراره.
فالنهضة لا تصنعها الدولة وحدها، و إنما تصنعها دولة تعرف إلى أين تريد أن تذهب، و مجتمع يعرف لماذا يذهب معها.
و لهذا فإن السؤال الحقيقي أمام أي دولة تريد النهضة ليس فقط: ماذا نملك؟ بل أيضاً: هل نملك الإرادة التي تجعلنا نحسن استخدام ما نملك، و نبحث عما ينقصنا، و نصبر على الطريق حتى نصل؟
النهضة تبدأ بالإرادة، لكنها لا تتحقق بالإرادة وحدها؛ تحتاج إلى استراتيجية، و مجتمع يشارك فيها، و مؤسسات تحملها، و صبر يمنحها الوقت حتى تكتمل دورتها و يتحول التراكم إلى نهضة.