عدالة أولاً… لا صلح فوق الدم ولا سلام يُفرض من علٍ

كتب: محمد عثمان الرضي
من حينٍ لآخر تتعالى بعض الأصوات المطالِبة بإجراء مصالحات اجتماعية بين مكونات شرق السودان، بوصفها وصفة جاهزة لمعالجة الشروخ العميقة والتصدعات المؤلمة التي خلّفتها أحداث الفترة الماضية، غير أن هذه الدعوات كثيراً ما تأتي منزوعة من الجرأة المطلوبة لمواجهة جوهر الأزمة.المقلق في الأمر أن بعض من يرفعون اليوم شعارات الصلح والسلام، هم ذاتهم من كانوا جزءاً أصيلاً من مشهد التحريض أو الصمت المريب الذي قاد إلى انفجار الأوضاع وسقوط ضحايا أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم وجدوا أنفسهم في قلب صراع عبثي.لا معنى ولا قيمة لأي مصالحة تُطرح بمعزل عن الحقيقة، ولا جدوى من أي صلح يتجاوز الدماء ويقفز فوق العدالة، فالتجارب أثبتت أن السلام الزائف لا يصمد، وأن الجراح التي لا تُنظف بالعدل سرعان ما تتعفن.المدخل الصحيح لأي مصالحة حقيقية يبدأ بتقديم المتسببين في هذه الأحداث إلى ساحات العدالة، ومحاكمتهم محاكمة عادلة وشفافة، ورد المظالم كاملة غير منقوصة إلى أهلها، وبعدها فقط يمكن الحديث عن صلح له معنى وأثر.أما محاولات الالتفاف على العدالة عبر مبادرات شكلية أو وساطات انتقائية، فهي لا تؤدي إلا إلى تعميق الإحساس بالظلم، وتكريس ثقافة الإفلات من العقاب، وهي أخطر ما يهدد السلم الاجتماعي.يخطئ من يظن أن المال قادر على شراء السلام، أو أن دفع الديات وحده كافٍ لإطفاء نار الغبن في صدور المتضررين، فالقضية ليست حسابات مادية بقدر ما هي مسألة كرامة وحق وعدالة.القرار في قبول الدية أو التمسك بالقصاص يظل حقاً خالصاً لأولياء الدم، لا يملكه غيرهم، ولا يجوز مصادرته أو الضغط عليهم تحت أي ذريعة اجتماعية أو سياسية.دماء الضحايا ليست رخيصة، ولا يجوز التعامل معها كملف يمكن إغلاقه بالتسويات السريعة، فهي أرواح عزيزة أُزهقت ظلماً، وستظل تطالب بالعدل ما لم يُقتص لها بالقانون.
إن أي صلح يُبنى على تجاهل هذه الحقيقة هو صلح هش، قابل للانهيار عند أول احتكاك، لأنه لم يعالج أصل الداء، بل اكتفى بتجميل المشهد الخارجي.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار الجهود الصادقة التي يبذلها بعض الخيرين من أبناء الشرق، ممن يتحركون بدافع الحرص على وحدة المجتمع وحقن الدماء، وهؤلاء يستحقون التقدير لا التشكيك.لكن حسن النوايا وحده لا يكفي، فحتى المبادرات الصادقة قد تنحرف عن مسارها إذا لم تُبنَ على أسس قانونية واضحة، ورؤية عادلة تُنصف الضحايا قبل أن تُرضي الوسطاء.لو كانت هناك قوانين رادعة تُطبَّق بصرامة على كل من يثير خطاب الكراهية أو يؤجج الفتن، أياً كان موقعه أو نفوذه، من الوزير إلى أدنى مسؤول، لما وصل شرق السودان إلى هذا المنعطف الخطير.خطاب الكراهية ليس رأياً يُحترم، بل جريمة اجتماعية وسياسية، والتهاون معه جريمة أكبر، لأنه يفتح الباب واسعاً أمام الفوضى والانقسام وسفك الدماء.رتق النسيج الاجتماعي هدف نبيل لا يرفضه عاقل، والسلام مطلب إنساني لا يقف في وجهه راشد، لكن الطريق إليه يجب أن يكون واضحاً وشفافاً وخالياً من المواربة.السلام الحقيقي ليس ذلك الذي يُكتب في البيانات، ولا الذي يُدار في الصالونات المغلقة، بل هو السلام الذي يبدأ من المواطن أولاً، ويشعر به في حياته اليومية واقعاً معاشاً.السلام الذي يُفرض من أعلى، وتصنعه نخب أو شخصيات نصّبت نفسها قيادات مجتمعية دون تفويض حقيقي من الناس، يظل سلاماً معزولاً عن الشارع، هشّ الأساس، سريع الانهيار.
أما السلام الذي ينطلق من القاعدة، من وجدان المتأثرين مباشرة بالصراع، فهو وحده القادر على الصمود، لأنه يُبنى على القبول المجتمعي والشعور بالإنصاف لا على المجاملات والصفقات المؤقتة.شرق السودان لا يحتاج إلى حلول ترقيعية ولا إلى مسكنات مؤقتة، بل إلى معالجة جذرية تعترف بالأخطاء، وتحدد المسؤوليات، وتؤسس لمرحلة جديدة قوامها القانون والمواطنة والعدالة.
عندها فقط يمكن للمصالحات أن تتحول من شعارات موسمية إلى واقع حقيقي، يعيد الثقة، ويحفظ الدماء، ويصون كرامة الإنسان.وما عدا ذلك، سيظل الحديث عن الصلح مجرد ضجيج لا يداوي جرحاً، ولا يعيد حقاً، ولا يصنع سلاماً دائماً.



