عبد الرحمن الريح.. هندسة الجمال وصناعة التحول في الأغنية السودانية

قراءة في تجربة شاعر لم يكتب الأغنية فقط، بل أسهم في نقلها من إرث الحقيبة إلى فضاء أكثر رحابة

لم يكن عبد الرحمن الفكي الريح حاج حمد مجرد شاعر غنائي كثرت نصوصه، ولا ملحنًا ترك ألحانًا ناجحة، وإنما كان أحد المبدعين الذين امتلكوا قدرة استثنائية على الجمع بين الشعر والتلحين والعزف وفهم طبيعة الصوت، فصار أثره في الأغنية السودانية أكبر من مجموع أعماله.

وتكتسب تجربته أهميتها من موقعها في مسار تطور الأغنية السودانية خلال القرن العشرين؛ فقد وقف في منطقة فاصلة بين إرث الحقيبة، الذي جعل الكلمة والصورة الشعرية والقافية مركز الأغنية، وبين الأغنية الحديثة التي اتسعت فيها مساحة اللحن والآلات الوترية والتوزيع والأداء الجماعي. لذلك فإن السؤال الأهم في تجربته ليس عدد الأغنيات التي كتبها، وإنما الأدوات التي امتلكها وجعلت أعماله قابلة للحياة في أصوات وأجيال متعاقبة.

نشأ عبد الرحمن الريح في حي العرب بأم درمان، وتلقى جانبًا من تعليمه في الخلاوي، قبل أن ينخرط في الحياة العملية. ولم يتشكل فنه داخل مؤسسة موسيقية أكاديمية، وإنما من تفاعل اللغة والتعليم التقليدي مع الحياة اليومية والمجتمع والفنون الشعبية. وربما يفسر ذلك طبيعة لغته التي جمعت بين سلامة التعبير وقربه من الوجدان الشعبي وقابليته للغناء.

ومنذ بروز اسمه في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، ظهر تميزه في الجمع بين كتابة النص وتلحينه وعزفه. وكان يدرك أن الكلمة المغناة تختلف عن القصيدة المقروءة؛ فهي تحتاج إلى جرس ومساحة صوتية وإيقاع داخلي يسمح للجملة بأن تتحرك داخل اللحن. وهنا أصبحت المفردة عنده تؤدي وظيفتين في وقت واحد: المعنى والموسيقى.

كما تكشف تجربته عن مساحة أوسع من الصورة الشائعة عنه بوصفه شاعر الحب والجمال. ففي عام 1940 برزت قصيدته «رجال الحدود» المرتبطة بالظرف الوطني ودخول القوات الإيطالية إلى شرق السودان، وغناها الحاج محمد أحمد سرور، بما يؤكد قدرته على الانتقال من الوجدان العاطفي إلى الوجدان الوطني.

ومع استخدامه العود في التلحين، خصوصًا في مرحلة ارتبطت بأعمال مثل «بعيد الدار» بصوت زنقار، تعززت علاقته بالبناء الموسيقي. فالعود لم يكن مجرد آلة مصاحبة، بل أداة لاختبار الجملة اللحنية ومدى انسجامها مع الكلمة ومواقع المد والوقف.

ولم يكن تجديد عبد الرحمن الريح قطيعة مع الحقيبة، بل امتدادًا واعيًا لها. فقد احتفظ بقوة الكلمة والصورة والقافية والإيقاع الشعري، وأعاد تركيبها داخل لغة موسيقية جديدة. ومن هنا أصبح أحد الجسور المهمة التي عبرت من خلالها الأغنية السودانية إلى مرحلة أكثر حداثة دون أن تفقد جذورها.

وتتضح قوة تجربته أيضًا في قابلية نصوصه للانتقال بين الفنانين. فقد تغنى بأعماله زنقار، وإبراهيم عبد الجليل، والتاج مصطفى، وحسن عطية، وأحمد المصطفى، وإبراهيم عوض، ومحمد وردي وغيرهم. ولم تكن هذه الكثرة مجرد امتداد لقائمته الفنية، بل دليلًا على مرونة النص وقدرته على استقبال أصوات وأساليب مختلفة.

وتبرز «الملهمة» بصوت التاج مصطفى مثالًا على نضج البناء اللحني، إذ لم تعد الأغنية مجرد قصيدة موضوعة على لحن، وإنما أصبحت بناءً موسيقيًا تتنوع داخله المقاطع والأفكار وتتطور الجملة اللحنية.

أما وصفه بشاعر الحب والجمال، فعلى صحته، لا يستوعب كامل تجربته. فقد تعامل مع الحب والجمال بوصفهما عالمًا جماليًا متكاملًا، واستثمر العين والليل والذكرى والغياب والطيف في بناء صور شعرية قائمة على الإيحاء، ما منح نصوصه قدرة على البقاء وإعادة التفسير.

وتكتمل صورة عبد الرحمن الريح بعلاقته بالتراث، إذ صدر له عام 1971 كتاب «الروائع الحبيبة من أغاني الحقيبة»، في دلالة على أن انتقاله إلى التجديد لم يكن إلغاءً للماضي، بل معرفة به واستيعابًا لعناصره.

لهذا يمكن اختزال تجربته في معادلة تجمع أصالة اللغة، وتجديد اللحن، ومرونة الأداء، واستيعاب التراث، والحس الجمالي. وهي العناصر التي جعلت أعماله تتجاوز زمن صاحبها وتنتقل بين الفنانين والأجيال.

إن عبد الرحمن الريح لم يكن شاعر حب وجمال فقط؛ كان أحد مهندسي التحول في الأغنية السودانية، أخذ من الحقيبة جوهرها الشعري، ومن المرحلة الحديثة إمكاناتها الموسيقية، وصنع بينهما جسرًا ظل حاضرًا في الذاكرة الغنائية السودانية.

*د. هاشم عبدالسلام

الأمين العام لمجلس المهن الموسيقية والتمثيلية

↑
Exit mobile version