كم هو بائس السقوط العمودي للمثقفين! أمر عجيب ومريب عندما يعتقد عبد العزيز بركة ساكن أن ثأر ضحايا الجنجويد في ود النورة يجب أن يُؤخذ من حمدوك! في حين أن الخندق الذي يقف فيه هذا الأديب الأريب، ومنه يحصب القيادات المدنية بالحجارة، هو خندق الجيش الذي منح أبو عاقلة كيكل رتبة لواء ورفعه مقامًا عاليًا، وهو المسؤول الأول عن انتهاكات ولاية الجزيرة ومجازرها، بما فيها مجزرة ود النورة!
أما مجازر الفاشر والجنينة فهي تستوجب إدانة الجنجويد أقصى درجات الإدانة، ولكن هل يُسأل عنها حمدوك داعية السلام الذي بذل قصارى جهده في تجنيب البلاد ويلات الحرب، أم الأولى بالمساءلة عنها إلى جانب الجنجويد الجيش الذي سحب ضباطه بعد حصار أكثر من عام، تاركًا الجنود الفقراء والمدنيين العزل، وكان بإمكانه حمايتهم لو اختار انسحابًا منظمًا؟ هل الأولى بالمساءلة حمدوك أم مناوي الذي كان على الحياد ثم ورّط مجتمعه في الحرب مقابل المال والمناصب؟
مصلحة العسكر والكيزان في حصب القيادات المدنية بالحجارة وتحميلها وزر الحرب مفهومة جدًا، ولكن غير المفهوم بالمرة أن يتورط في ذلك مثقفون وأدباء، مفترض أن طبيعة دورهم في المجال العام مناهضة الاستبداد والانحياز للحياة المدنية الحرة، وفضح الزيف وتعرية سرديات القتلة بالأصالة، لا التماهي مع زيفهم ومد يد العون لهم ضد مدنيين عزل بحجة الموقف المناهض للجنجويد. وهنا يقفز السؤال الذي يتهربون منه: من صنع الجنجويد وسلّحهم ودربهم وشاركهم الإجرام ضد إنسان دارفور يدًا بيد وكتفًا بكتف؟ هل حمدوك هو من فعل ذلك؟ من أي رحم خرج الجنجويد؟ من رحم الجيش أم من رحم القوى المدنية؟