“صوت هند رجب”.. الطفلة التي سمعها العالم ولم ينقذها
Mazin
الأحداث – وكالات يأتي فيلم “صوت هند رجب” ليؤكد المسار الذي اختارته المخرجة التونسية كوثر بن هنية لنفسها، وهو المسار الذي يشتبك بشكل مستمر مع السياسة في الوطن العربي والواقع المعاصر. ينتمي “صوت هند رجب” إلى منطقة فاصلة بين الدراما والسينما التسجيلية، ويستند إلى قصة حقيقية هزت العالم، وهي قصة الساعات الأخيرة للطفلة الفلسطينية هند رجب، المحاصرة داخل سيارة عائلتها تحت القصف في غزة. عُرض الفيلم للمرة الأولى عالميًا ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي، حيث حظي باستقبال استثنائي، قبل أن يُعرض لاحقًا في عدة محافل دولية وعربية، وصولًا إلى السينما التجارية مؤخرًا، ليتاح إلى الجمهور العام. الفيلم من بطولة عامر حليحل وكلارا خوري ومعتز ملحيس وسجا كيلاني، مجسدين طاقم الإسعاف وغرفة الاتصالات التي تحولت في هذا الفيلم إلى مسرح للعجز والانتظار القاتل، حقيقة لا مجازًا.
نال الفيلم الجائزة الكبرى للجنة التحكيم (Silver Lion – Grand Jury Prize) من مهرجان فينيسيا السينمائي، إلى جانب عدد كبير من الجوائز الموازية، ودوليًا، اختير الفيلم ليكون الترشيح الرسمي لتونس لجوائز الأوسكار عن فئة أفضل فيلم دولي في الدورة الثامنة والتسعين، ونجح في الوصول إلى القائمة القصيرة (Shortlist)، كما تلقى ترشيحًا رسميًا لجوائز الغولدن غلوب عن فئة أفضل فيلم ناطق بغير الإنجليزية، وترشيحين في جوائز البافتا. إعادة بناء المأساة يعتمد فيلم “صوت هند رجب” على إعادة بناء الساعات الأخيرة من حياة الطفلة الفلسطينية هند رجب، وذلك عبر مكالمتها الطويلة مع طاقم الإسعاف الذين يحاولون إنقاذها بإرسال سيارة مجهزة لإخراجها من سيارة العائلة النازحة التي تم قصفها وقتل كل أفراد أسرتها ما عداها.
وبين محاولات المسعفين تهدئة الصغيرة من ناحية، والاتصال بالجهات المسؤولة للحصول على تصريح لانتقال السيارة التي لا تبعد سوى 8 دقائق من ناحية أخرى، نشاهد المأساة تحدث أمامنا خطوة بخطوة، مأساة يعلم المشاهد، حتى قبل دخول الفيلم، أنها حدثت بالفعل، وأن نهاية كل هذه المحاولات الفشل. لا يسعى الفيلم إلى سرد الحدث بشكل تقليدي، بل يختار التركيز على لحظة الانتظار نفسها؛ الانتظار الذي امتد إلى ساعات وتحول إلى حكم نهائي بالموت. وتتعمد المخرجة إقصاء الصورة الصادمة لصالح الصوت والزمن كأساس للحبكة، فتجري معظم الأحداث داخل فضاء مغلق هو غرفة الاتصالات، بينما يبقى صوت الطفلة هو الرابط الوحيد بالعالم الخارجي.
ينتمي فيلم “صوت هند رجب” إلى ما يُعرف بأسلوب الدوكيودراما، وهو نمط سينمائي هجين يمزج بين المادة الوثائقية والبناء الدرامي، ويُستخدم هذا النوع من الأفلام في بعض الأحيان لإحياء واقعة حقيقية وإتاحة الفرصة للمتلقي كي يختبرها وجدانيًا، عبر مزج وثائق حقيقية مثل مشاهد مصورة أو تسجيلات صوتية أو صور فوتوغرافية مع مشاهد باستخدام ممثلين.
هذا ما قامت به كوثر بن هنية في “صوت هند رجب”، الذي يستند إلى تسجيلات صوتية حقيقية لمكالمة الاستغاثة التي أجرتها هند رجب، بينما يُعاد تمثيل غرفة الاتصالات وطواقم الإسعاف دراميًا بدقة شبه توثيقية.
هنا تُستخدم الدراما لتكثيف الواقع وكشف أبعاده الإنسانية والأخلاقية، بحيث يصبح الفيلم شهادة سينمائية على حدث واقعي، وفي الوقت نفسه تجربة درامية تُجبر المتفرج على معايشة العجز والانتظار بوصفهما جوهر المأساة.
يحول هذا الاختيار الأسلوبي الصوت إلى بطل رئيسي، ويجعل العجز والبيروقراطية عنصرين دراميين أساسيين، بحيث لا يشاهد المتفرج العنف، بل يسمعه، ويُترك لمواجهة ثقله الأخلاقي دون وسيط يخفف من حدته. أين الجاني؟ في فيلم “صوت هند رجب” تختار كوثر بن هنية مسارًا غير مألوف في تمثيل العنف؛ فالفيلم لا يصور القتل بقدر ما يصور ما يسببه، وهو العجز التام. العجز هنا ليس خلفية درامية أو نتيجة جانبية، بل بطل يقود السرد؛ فلا نرى لحظات إطلاق النار، بل نُحبس في غرفة الاتصالات، حيث تتحول الدقائق إلى عبء أخلاقي ثقيل، ويصبح الانتظار نفسه قاتلًا.
غرفة الاتصالات في الفيلم ليست مجرد مكان، بل مسرح للمأساة؛ نسمع فيها أصواتًا متقطعة، ومحاولات إنقاذ متكررة، وتعليمات لا يمكن تنفيذها لأن المنفذين أيديهم مقيدة، وفوق رؤوسهم مقصلة تهدد حياتهم، مقصلة عبارة عن عدو لا يعبأ بأن الضحايا طفلة صغيرة أو مسعفون يحاولون إنقاذها، وخط هاتف يربط بين حياة على وشك الانطفاء وأشخاص على حافة الانهيار من العجز.
في هذا الفضاء المغلق تفضح كوثر بن هنية شكلًا من أشكال العنف الأقل وضوحًا، وهو البيروقراطية، التي جعلت هند والمسعفين مثل فأرٍ تلاعبه قطة شرسة؛ فهي تمنعه من الهرب، وفي الوقت ذاته تمنحه خيطًا واهيًا من الأمل في موافقة قادمة تؤدي إلى نجاة الصغيرة، لكن في النهاية تجهز هذه القطة على ضحيتها دون اهتمام بوجود هذه الموافقة من عدمها. فمنذ البداية كانت الخاتمة موجودة، لكن غرضها اللعب والتسلية بآلام الآخرين.
جميع العاملين حاولوا لساعات طويلة مساعدة هند رجب، سواء بالدعم النفسي ومواصلة الحديث معها والتخفيف عنها، أو بالتخطيط لعملية إنقاذها، والتواصل مع المسعفين المستعدين لإنقاذ الطفلة، غير أن التحرك للإنقاذ يحتاج إلى موافقة عدة جهات تبدأ بالصليب الأحمر نفسه وتنتهي بالجيش الإسرائيلي الذي يسمح بمرور سيارة الإسعاف دون قصفها. تصل أعصاب هؤلاء العاملين إلى حافة الانهيار عندما يظلون في انتظار هذه الموافقة لساعات طويلة بعد مماطلة مستمرة، ذلك الضغط النفسي الذي لم يعانوا منه في حالة هند رجب فقط، بل بشكل مستمر ولأي حركة يحتاجون للقيام بها لإنقاذ أهالي غزة، ورغم التزامهم وانتظار التصاريح فإن ذلك لا يضمن سلامتهم تمامًا، فقد يتم قصفهم مثلما حدث في حالة هند رجب عندما تم قصف اثنين من المسعفين ذهبوا لإخراجها من السيارة بعد حصولهم على الموافقة، لتصبح الموافقة كأن لم تكن، وساعات الانتظار ذهبت هباءً.
انتظار التصاريح، وتعطل الحركة، والخوف من تجاوز الأوامر، كلها عناصر لا تُقدَّم بوصفها أخطاء إدارية، بل كآليات عالمية متفق عليها ومشاركة في الجريمة، فالعالم يقف كل يوم يرى هذه الجرائم تحدث أمامه، ويطلب من مقدمي الخدمات الطبية الالتزام باللوائح غير المنطقية الموضوعة، ليصبح “عدم الفعل” فعلًا شريرًا، ويغدو العجز سلاحًا معبأً بالرصاص، مثل البندقية تمامًا.
لكن هذا الاختيار يفتح الباب لسؤال مشروع: ماذا عن غياب الجاني؟ يتعمد الفيلم ألّا يعرض صورة مباشرة للفاعل، أي الجيش الإسرائيلي، ولا يسميه بصريًا، مكتفيًا بتركه في الهامش الصوتي والضمني. هذا التجريد يمكن قراءته بصورتين متناقضتين؛ إحداهما أن الغياب لا يخفف المسؤولية بل يفضحها، إذ يحول الانتباه من لحظة العنف نفسها إلى النظام الذي سمح بحدوثها واستمرارها والتواطؤ العالمي معها، بينما ترى القراءة الثانية أن هذا الغياب يفقد الجريمة حدتها السياسية المباشرة، ويجعل المسعفين والنظام البيروقراطي هما العدو الأساسي، في حين يقف في الخلفية جندي بسلاح موجه لطفلة لم تبلغ الست سنوات بعد، دون أن يظهر في الصورة.
في النهاية، يضع فيلم “صوت هند رجب” متفرجه أمام سؤال آخر لا يقل قسوة عن القصة نفسها: هل ما نشاهده في هذا الفيلم، والأفلام الأخرى التي تتناول مآسي تحدث حتى الآن في غزة، شهادة ضرورية أم شكلًا من أشكال الاستغلال؟ فالفيلم يتعامل مع مأساة ما زالت طازجة، لم تتحول بعد إلى “تاريخ”، وهو ما يفتح نقاشًا أخلاقيًا مشروعًا حول حق السينما في الاقتراب من الألم بهذه السرعة، وهل إعادة استحضار صوت طفلة قُتلت حديثًا هو فعل إنصاف أم استغلال سينمائي لطفلة راحت غدرًا، خصوصًا وأن قصة هند رجب كانت بطلة فيلم آخر من إنتاج 2025، وهو “أغمضي عينيك يا هند”، الذي عُرض خلال فعاليات مهرجان الجونة.