صراع السرديات في اليمن

العبيد احمد مروح
ما هي طبيعة ما يحدث في اليمن، والذي على إثره حدث ما حدث يوم الثلاثاء الماضي ؟
هل هو صراع داخلي بين “طرفين” يتشكل منهما مجلس الرئاسة اليمني، الطرف الذي يقوده الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس الرئاسة الذي يمثل الشرعية والمعترف به دولياً، وبين الطرف الذي يقوده عيدروس الزبيدي والذي يمثل المجلس الانتقالي الجنوبي، وأن ما يحدث بينهما هو “صراع على السلطة”، أم أن الأمر أبعد من ذلك ؟
تقول السردية الإماراتية، على خلفية الاتهامات الموجهة لها، أن الإمارات لا علاقة لها بما يحدث هناك، وأنها سحبت جنودها من اليمن منذ العام 2019 ولم يبق لها سوى قوات محدودة أبقتها لـ”مكافحة الإرهاب”، وأنه لا مبرر للزج باسمها في صراع داخلي .
بينما تقول السردية التي أوردتها قوات التحالف، بقيادة السعودية أن سفينتين أبحرتا من ميناء الفجيرة الإماراتي، وأنزلتا حمولتهما في ميناء المكلا اليمني، وأن تلك الحمولة كانت عبارة عن عربات مدرعة وعربات “بك أب” وأسلحة، وأن هذا العتاد كان موجهاً لدعم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي التي تمددت في محافظتي حضرموت والمهرة من غير تنسيق مع قوات التحالف، وخلافاً لإرادة السلطة الشرعية في اليمن، وتحديدا رئيس المجلس الرئاسي الذي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة اليمنية.
كل من تابع ما نقلته وسائل الإعلام أول من أمس، يستطيع أن يتبين بقليل من الجهد، أن السردية الإماراتية كانت هي الاضعف، ليس فقط بسبب التناقض الذي ظهر في روايتي وزارتي الخارجية والدفاع في الإمارات بشأن سحب قواتها من اليمن، ولكن أيضاً في تناقض ما يقوله المتحدثون باسم المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً، من التزامهم بالشرعية والدستور وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وبين استمرار محاولات المجلس للتمدد وبسط سيطرته العسكرية على محافظات الشرق اليمني المحاددة لكل من سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية.
حين أعلنت الإمارات في 2019 أنها سحبت قواتها من اليمن، وأبقت على مجموعة محدودة تتولى مهام تدريبية، كانت في حقيقة الأمر قد رتبت وضع حلفائها وعلى رأسهم المجلس الانتقالي الجنوبي الذي رعته منذ ولادته في 2017، وبقية القوات “المليشيات” التي ولدت خارج رحم الشرعية، إذ أن الإمارات – ولتقديرات تخصها- لم تستثمر في القوات المسلحة اليمنية، جيش الشرعية التي من أجلها قام التحالف العربي وأتت عاصفة الحزم، وإنما اختارت جماعات وظيفية بعينها تخدم من خلالها أهدافها بالسيطرة على الموانئ وأماكن الثروة من نفط وغاز وغيرهما. وبقيت هذه المجموعات تتلقى التدريب والتمويل والتسليح من الإمارات إلى اليوم.
لم يكن ما تقوم به الإمارات في اليمن غائباً عن السلطات السعودية، لكنها ربما اختارت عدم الاعتراض عليه طالما ظل لا يشكل تهديداً مباشراً لمصالح المملكة وأمنها الوطني، وربما ظنت القيادة السعودية، أن أطماع الإمارات ستتوقف عند حدود بعينها، ولا تتقاطع مع المصالح الحيوية للأمن الوطني السعودي، لكن الأيام أثبتت أن طموح الإمارات لا حدود له، وأنها تريد أن تفرض نفوذها في بحر عمان وفي خليج عدن وفي باب المندب وفي البحر الأحمر، وذلك من خلال تمكين أدواتها الوظيفية ممثلة في المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن ومليشيا الدعم السريع في السودان من بسط سيطرتهم على هذين البلدين!!
أوجه الشبه بين الدعم السريع في السودان والانتقالي الجنوبي في اليمن، وعلاقتهما بالإمارات، متعددة لدرجة أقرب إلى التطابق، وإن تجاوزنا تخطيط الإمارات منذ مطلع الألفية ضمن محاولاتها للاستقلال بدورفي المنطقة، يربطها مباشرة بالولايات المتحدة الأمريكية، نستطيع أن نُرجع إنخراط الإمارات في علاقات مباشرة مع كل من الدعم السريع والانتقالي الجنوبي إلى بداية التحالف العربي و”عاصفة الحزم” لاستعادة الشرعية في اليمن في العام 2015؛ وقتها وجدت الإمارات الدعم السريع قوة جاهزة ما عليها إلا أن تمتطي ظهرها، إلى الدرجة التي خططت فيها لغزو دولة قطر بواسطة عناصر مختارة من الدعم السريع، في حين كانت أجندتها في اليمن واضحة بحيث أنها لم تضيع وقتاً في “دعم الشرعية” وانخرطت مباشرة في مخططات السيطرة على جنوب اليمن حيث الموانئ والثروات النفطية مع الموقع الاستراتيجي، وتبنت أطروحات المجموعات الانفصالية، ثم أشرفت على إنشاء “المجلس الانتقالي الجنوبي” في 2017، ومجموعات وظيفية أخرى، وسخرت له كل الإمكانيات التي تمكنه من بسط سيطرته على جنوب اليمن، وتهميش دور الجيش اليمني بل ومحاربته في كثير من المواقع !!
ولعل الذين تابعوا وسائل الإعلام السعودية، يوم الثلاثاء الماضي، وهي تستنطق الخبراء والمحللين، لشرح الحيثيات التي دفعت قوات التحالف العربي بقيادة السعودية لتوجه ضربة دقيقة ومحدودة لعتاد ومتحركات أنزلتها باخرتان بعد تحميلها من ميناء الفجيرةالإماراتي، قد استدعوا تسلسل الأحداث التي سبقت اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، إذن لوجدوا أن ما قام
به المجلس الانتقالي الجنوبي هو عين ما كان قد قام به الدعم السريع، وانظروا إن شئتم إلى الحشد الذي قام به الدعم السريع من قوات وأسلحة ومعدات، دون إذن القيادة العامة للقوات المسلحة، وإلى تحركه نحو قاعدة مروي الجوية دون إذن قيادة الدولة والقوات المسلحة، وستجدون أن ذلك السلوك يتطابق تماماً مع سلوك قوات المجلس الانتقالي الجنوبي التي زحفت وتمددت نحو محافظتي حضرموت والمهرة دون إذن رأس الدولة ودون إذن أو حتى إخطار قوات التحالف العربي، ومن دون عناء، سيلاحظ المحللون أن العنصر المشترك في هذين المشهدين هو دولة الإمارات العربية المتحدة !!
إن الحقيقة التي باتت الآن أوضح من الشمس في رابعة النهار، هي أن الطرف الذي يستثمر في المليشيات في المنطقة، وتحديداً في السودان واليمن، وربما في غزة، هو دولة الإمارات، وأنها تفعل ذلك بدأب مستمر منذ عقد من الزمان أو يزيد وفي تكامل وتناسق مع السياسات الإسرائيلية في المنطقة، وهي سياسات لم يعد خافياً أنها تحاول تطويق الدول العربية ذات الثقل في المنطقة، وشغل دول أخرى بمشكلات داخلية، وتفتيت الدولة القطرية عن طريق تمكين جماعات وظيفية في تلك الدول من الأسلحة والعتاد وتحريضها على التمرد وإنهاك قوى الدولة.
إن أفضل ما فعلته اللطمة التي وجهتها قوات التحالف العربي بقيادة السعودية لوجه الإمارات أول من أمس في ميناء المكلا، هو أنها فضحت السردية الإماراتية المتمثلة تريد مقولات محاربة الإرهاب والتطرف، وكشفت أن ما قامت به من تحميل سفينتين بالعتاد العسكري من ميناء الفجيرة إلى ميناء المكلا، لدعم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، لم يكن إلا سلوكاً روتينياً ظلت تقوم به الإمارات في السودان على مدى ثلاث سنوات، بحراً وجواً وبراً، بشتى أنواع الأسلحة المتطورة والمعدات القتالية، لتمكين الدعم السريع من أداء المهمة التي أوكلت إليه، بل زادت على ذلك بأن استجلبت له المرتزقة من أفريقيا وأمريكا اللاتينية ليقاتلوا في صفوفه، وليشغلوا له منظومات الطائرات المسيّرة التي يستخدمها لقتل السودانيين وتدمير بناهم التحتية !!
وإزاء هذا، لم يعد أمام العالم، وخاصة الأطراف التي ترغب في وقف الحرب في السودان، إن كانت جادة في ذلك، إلا أن توجه ضغطها إلى الفاعل الحقيقي الذي يقف خلف كل من الدعم السريع والانتقالي الجنوبي، وهو دولة الإمارات، لكي يوقف جميع أشكال الدعم لهذين الجسمين الوظيفيين، وإلاّ أصبح مستحقاً لـلطمة أخرى أشد وأنكى.



