في كثير من الأحيان تفرض جغرافيا المكان قدرًا من الحذر في تناول شؤونه، لاعتبارات متعددة، من بينها الخشية من الوقوع في مظنة الممالأة أو الاتهام بالانحياز. غير أن اللحظات الاستثنائية، كالتي تمر بها منطقتنا اليوم، لا تحتمل هذا النوع من التحفظ، بل تفرض قول كلمة الحق، وتقديم شهادة تستند إلى الوقائع لا إلى الأهواء، وإلى الموضوعية لا إلى الاستقطاب، خاصة حين تتقاطع المصالح، وتختلط الروايات، وتضيع الحقائق بين ضجيج المواقف المتسرعة.
فالمتابع المنصف، الخارج من ثنائيات “مع” و”ضد”، لا يجد عناء في إدراك حقيقة أن دولة قطر ظلت، على مدار السنوات الماضية، من بين الدول القليلة التي ارتبط اسمها بالسعي إلى الخير بمعناه المجرد والمتعدد الأوجه. إذ أن سجلها الدبلوماسي يخلو من التورط في مؤامرات أو مكائد تستهدف حكومات أو شعوبًا، أو من الانخراط في إشعال الحروب وتأجيجها. وعلى العكس من ذلك، انتهجت الدوحة مسارًا متزنًا قائمًا على إطفاء الحرائق، والسعي الحثيث لاحتواء النزاعات، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، مع التزام واضح باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
وقد تجلّى هذا الدور بوضوح في نجاح الوساطات القطرية في عدد من أعقد النزاعات المسلحة، من أفغانستان إلى غزة، مرورًا بالسودان وليبيا والصومال والكونغو. استطاعت الدوحة أن تحجز لنفسها موقعًا متقدمًا في جهود حل الأزمات، مستندة إلى رصيد متراكم من الثقة والمصداقية، وإلى خبرة دبلوماسية تراكمت عبر سنوات من العمل الهادئ والدؤوب. ولم تكن هذه النجاحات وليدة الصدفة، بل نتاج رؤية سياسية واضحة تؤمن بأن الحوار، مهما تعثّر، يظل أقل كلفة من استمرار الصراع.
وتتميز الدبلوماسية القطرية بمرونتها العالية، وحيادها الإيجابي، وقدرتها على التحرك في مساحات سياسية معقدة، كثيرًا ما تعجز فيها الأطراف الدولية الأخرى عن إحداث اختراق يُذكر. وقد مكن هذا النهج قطر من الابتعاد عن الاصطفافات الحادة، ما أكسبها ثقة مختلف الأطراف المتنازعة، ورسّخ صورتها كوسيط نزيه يحظى بقبول واسع. وسيط ينظر إليه بوصفه شريكًا موثوقًا في مسارات التهدئة والتسويات. كما أن قدرة قطر على الحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع أطراف متباينة، أضفت على تحركاتها بعدًا عمليًا يتجاوز الشعارات إلى النتائج الملموسة.
واستنادًا إلى هذا السجل الحافل، تنوعت جهود قطر بين التوصل إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار، وتيسير عمليات تبادل الأسرى، والمساهمة في استعادة العلاقات الدبلوماسية بين دول متخاصمة، ودعم الحوارات الوطنية، وصولًا إلى الإسهام في إبرام اتفاقيات سلام أكثر شمولًا واستدامة. وهذه أدوار لم تكن لتتحقق لولا التزام ثابت بمبادئ الوساطة النزيهة، واحترام التوازنات الدقيقة، والقدرة على بناء الثقة تدريجيًا بين الأطراف المتنازعة.
ولا يماري منصف في أن قطر تمثل نموذجًا لدولة جديرة بالاحترام ،قوية بلا استعلاء، وكريمة بلا منٍّ أو أذى، ووفية لعلاقاتها في أوقات السراء والضراء. فقد ظلت قطر بالنسبة لكثير من الدول الصديقة، ومنها نحن في السودان، سندًا حاضرًا في أوقات الشدة، وشريكًا صادقًا في مواجهة التحديات. وفي عالم تكثر فيه الوعود الرنانة والخطابات الجوفاء، تقدم قطر نموذجًا مختلفًا، حيث تتقدم الأفعال على الأقوال، وتُضبط الأقوال بميزان الصدق والدقة، دون مبالغة أو ادعاء، وبما يعكس احترامًا للعقول قبل استمالة المشاعر.
ومع ذلك، فإن ما يبعث على الأسى أن تجد دولة بهذا السجل المشرف نفسها وقد زُجَّ بها في أتون صراع عبثي، لا ينتج سوى الدمار والخراب. فالدولة التي كرّست جهودها لإطفاء الحرائق، تجد منشآتها تتعرض لقصف جائر من طرف لم تبادره إلا بالخير، كما هو نهجها مع محيطها الإقليمي والدولي. وهذا التطور يثير تساؤلات مشروعة حول مآلات التصعيد، وحدود الانزلاق نحو مواجهات أوسع لا رابح فيها.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال حقيقة أن إيران تتعرض لضغوط وعدوان مركب تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل، تحركه اعتبارات الهيمنة والصراع على النفوذ والثروات. وهذا الواقع، مهما بلغت قسوته، لا يمكن أن يشكل مبررًا منطقيًا أو أخلاقيًا لتوسيع دائرة الصراع لتشمل دول الجوار، وفي مقدمتها قطر. بل إن الانزلاق إلى هذا المسار يحقق، في جوهره، أهداف خصوم إيران الاستراتيجيين، عبر دفعها إلى صراعات مفتوحة تستنزفها وتستنزف محيطها، وتعيد تشكيل المنطقة على إيقاع الفوضى والتوتر المستدام.
لقد أسهم هذا المسار في تعميق الشروخ في العلاقة بين طهران وجوارها الخليجي، وكأنه إسفين غليظ يُدق في جسد الإقليم، بما يهدد استقراره ومستقبله. ومع ذلك، أظهرت دول المنطقة، وعلى رأسها قطر، قدرًا لافتًا من الحكمة وضبط النفس، ووعيًا استراتيجيًا حال دون الانجرار إلى دوامات التصعيد، رغم الاستفزازات المتكررة والخسائر الجسيمة .
فلم تسمح هذه الدول لـ“شجرة” الأزمات الآنية الشائكة أن تحجب عنها “غابة” المخاطر الاستراتيجية الأوسع، ولم تنجر إلى ردود أفعال آنية قد تبدو مبررة في لحظتها، لكنها تحمل في طياتها كلفة باهظة على المدى البعيد. بل اختارت تلك الدول ، عن وعي، أن تنظر إلى ما وراء اللحظة، وأن توازن بين مقتضيات الحاضر واستحقاقات المستقبل، إدراكًا منها أن الاستقرار لا يُبنى بردود الأفعال، بل بصناعة التوازنات وتحصين الإقليم من الانهيارات المتتالية.
المنطقة اليوم أحوج ما تكون إلى هذا النوع من التفكير الاستراتيجي الذي يرى الغابة قبل الشجرة، ويُقدّم منطق التهدئة على اندفاعات التصعيد، ويعيد الاعتبار لقيمة الوساطة بوصفها أداة لصناعة السلام لا مجرد خيار تكتيكي. وفي هذا السياق، يظل دور قطر بالرغم ما لحق بها من أذى وأضرار ، بما يحمله من رصيد في الوساطة وإطفاء النزاعات، أحد أهم ركائز الأمل في إعادة التوازن إلى الإقليم، وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا في منطقة أنهكتها الصراعات وتنازعها المشاريع المتضاربة وأحاطت بها براثن الأطماع .