شُهُودُ العُمْرِ

رُوحٌ مُتَجَدِّدَة

بقلم: عصماء عاصم

ليس كل من عرف الإنسان عرفه في جميع أعمارِه؛ فالأبوان يشهدان مجيئه الأول، ويريان خطواته المرتبكة، وطفولته التي تتسع فيها الدهشة، ثم مراهقته وشبابه، وقد يبلغان معه زواجه وأبوّته، لكنهما، في الغالب، لا يبلغان معه شيخوخته. والأبناء يلتقونه بعدما صار أبًا أو أمًّا، فيعرفون صورته الناضجة، ويشهدون ما يطرأ عليها من تغيّر، دون أن يعرفوا الطفل الذي كانه قبل أن يصبح والدًا لهم. أما شريك الحياة، فقد يرافقه في فصول العمر المتأخرة، لكنه لم يشهد بداياته الأولى، ولا الأحلام التي كانت تسكنه قبل أن تجمعهما الحياة.

وبين هؤلاء جميعًا، يقف الأخ في موضع مختلف؛ فقد يكون ممن عاصروا الحكاية منذ فصولها الأولى. عرفك طفلًا قبل أن تعرف أنت معنى الحياة، وشهد تحولاتك من عمر إلى آخر؛ من مشاغبات الصغر إلى حيرة المراهقة، ومن أحلام الشباب إلى أثقال المسؤولية. لم يتعرف إليك في صورة اكتملت، بل عرفك وأنت تتشكل، وتتغير، وتودّع نسخة منك لتستقبل أخرى.

غير أن الأمر لا يقف عند طول الصحبة أو امتداد السنوات؛ فالأعجب أن صورتك لا تتكرر في ذاكرة إخوتك. قد يراك أحدهم في هيئة الطفل المشاغب، ويحفظ آخر عنك موقفًا لا يكاد يغيب عن ذاكرته، بينما يستحضر ثالث خصومة قديمة أو لحظة خذلان لم تكن تعني لك بالقدر نفسه. وقد تجمعكم الذكرى ذاتها، لكن لكل منكم رواية مختلفة عنها؛ فما بدا لأحدكم أمرًا عابرًا، ظل عند الآخر تفصيلًا لا يُنسى. فالأحداث المشتركة لا تترك الأثر نفسه في النفوس، والذاكرة لا تحفظ الوقائع وحدها، بل تحفظ معها ما شعر به كل إنسان حين وقعت.

وكم من تفاصيل عادية عبرت بين الإخوة دون أن يلتفتوا إليها؛ خلافات صغيرة، ومشاكسات، وأسرار طفولة، وأحاديث لم يكن لها من الأهمية يومها إلا أنها جزء من يوم عادي. ثم تمضي الأعوام، وتتباعد البيوت، وتتغير المسؤوليات، ويصبح لكل واحد منهم عالمه الخاص، لكن تلك التفاصيل تظل قادرة على استدعاء أعمار كاملة. وقد يحمل أحدهم من ذاكرة الآخر ما غاب عن صاحبه، فيعيد إليه صورة من ماضيه لم يعد يتذكر أنه كان عليها.

لهذا، لا يكون الأخ مجرد شخص يعرف ماضيك، بل شاهدًا على نسخ متعددة منك؛ يعرف ما كنت عليه قبل أن يعرفك الآخرون، وقد يتذكر فيك ما لم تعد تراه في نفسك. وفي المقابل، يحمل كل واحد من إخوتك عنك حكاية لا تشبه تمامًا حكاية الآخر؛ فكأنك شخص واحد في أعينهم، لكنك حيوات متعددة في ذاكرتهم.

وربما كانت المفارقة أن الإنسان لا يملك وحده الرواية الكاملة عن نفسه؛ فهناك أجزاء من عمره موزعة في ذاكرة أشخاص عرفوه في أزمنة مختلفة، وبين الإخوة قد تستقر صور قديمة لا تستطيع السنوات محوها.

فأيُّ صورةٍ منك ما زالت حيّة في ذاكرة إخوتك، وأيُّ حكايةٍ عنك يعرفونها، بينما غابت عن ذاكرتك أنت؟

↑
Exit mobile version