عمار العركي
البيان الإماراتي–الإثيوبي الصادر في 6 يناير الجاري جاء نسخة شبه حرفية من البيان المشترك بين الإمارات ومفوضية الاتحاد الأفريقي. ذات اللغة، وذات التوصيف، وذات الموقف من السودان، في تطابق لا يعكس تنسيقًا دبلوماسيًا عاديًا، بل يكشف عن سردية واحدة تُصاغ في أبوظبي، ثم تُمرَّر عبر عواصم أفريقية ومؤسسات إقليمية، في انتهاك واضح لسيادة السودان ولروح وميثاق الاتحاد الأفريقي.
الأخطر أن السودان لم يكن طرفًا في أي من هذه الاجتماعات، ومع ذلك جرى الحديث باسمه، وتوصيف صراعه، وتحديد ملامح “الحل” له، في إقصاء سياسي متعمد يهدف إلى فرض مسار تفاوضي جديد يُساوي بين الدولة السودانية ومليشيا متمردة مصنفة دوليًا بارتكاب جرائم وفظائع واسعة بحق المدنيين.
الحديث المتكرر عن “هدنة إنسانية غير مشروطة” محاولة مستمرة لإنقاذ المليشيا عسكريًا ومنحها فرصة لإعادة التموضع، أما تجاهل “مبادرة السلام السودانية”، التي طُرحت أمام مجلس الأمن الدولي، ورحب بها الأمين العام للأمم المتحدة، وأيدتها أطراف إقليمية ودولية، فلا يمكن تفسيره إلا كقصد سياسي لإفراغ المبادرة من مضمونها وإعادة خلط الأوراق.
في هذا السياق، لم تعد الإمارات مجرد داعم سياسي أو إنساني، بل طرفًا متسببًا في إطالة أمد الحرب. ولم تعد أدواتها تقتصر على المال أو المساعدات، بل امتدت إلى البيانات السياسية، والمؤتمرات “الإنسانية”، والضغط عبر مؤسسات أفريقية، وإعادة توظيف بعض الدول كواجهات تمرير.
وتتأكد هذه الصورة مع جولة شخبوط بن نهيان في أفريقيا. فإلى جانب لقائه بمفوضية الاتحاد الأفريقي وزيارته لإثيوبيا، كشفت صحيفة براون لاند (Brown Land)، في السادس من يناير 2026، نقلًا عن مصادر خاصة، عن قيامه بزيارة سرّية خاطفة إلى عاصمة بوروندي بوجمبورا، استغرقت نحو ساعتين فقط.
وبحسب المصادر، التقى شخبوط خلال الزيارة رئيس جمهورية بوروندي، المرشح لتولي رئاسة الاتحاد الأفريقي، حيث جرى بحث ملف السودان، مع ترجيحات قوية بأن الزيارة ركزت على طلب إماراتي “بإعادة عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي”، ضمن ترتيبات تُدار خارج السودان، وبعيدًا عن مؤسساته وإرادته الوطنية.
هذه الزيارة السرية لا يمكن فصلها عن تطابق البيانات، ولا عن الجولة الأوسع التي يُتوقع أن تمتد إلى كينيا وجنوب السودان، في إطار محاولة لإعادة هندسة الموقف الأفريقي من السودان، وإعادة إنتاج الأزمة وفق رؤية إماراتية سبق فشلها.
ويتزامن هذا الحراك السياسي مع وقائع أمنية خطيرة. تقارير ميدانية تتحدث عن إنشاء معسكرات تدريب ومطارات في مناطق إثيوبية حدودية، ومحاولات تمرير إمدادات عسكرية إلى المليشيا عبر بني شنقول. كما يتقاطع ذلك مع خطابات وتحركات داخل شرق السودان تهدد بتفجير الإقليم وضرب علاقات السودان الإقليمية، خاصة مع إريتريا، كأدوات ضغط متزامنة تهدف إلى تشتيت الدولة السودانية وفتح جبهات جديدة عليها.
وهنا تتضح دلالة “الأدوات الداخلية”. فهي لا تقتصر على الداخل السوداني وحده، بل تتكامل مع أدوات داخل أفريقيا: دولًا، ومنصات، ومؤسسات كان يُفترض أن تحمي سيادة الدول، لا أن تتحول إلى أدوات ابتزاز سياسي. وعندما تصدر مفوضية الاتحاد الأفريقي بيانًا مشتركًا مع دولة غير عضو يناقش شؤونًا داخلية لدولة عضو، فإننا نكون أمام خرق صريح للميثاق الأفريقي.
أما السودان، فالمطلوب منه تحرك سياسي مباشر وواضح، يقوم على تثبيت مبادرة السلام السودانية كإطار وحيد، ومخاطبة الاتحاد الأفريقي من موقع الدولة الفاعلة لا الدولة المستهدفة. فالسودان ليس هامشًا في معادلة الأمن الإقليمي، بل ركيزة استقرار في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي.
خلاصة القول ومنتهاه
إن استهداف شرق السودان جزء من عدوان إماراتي مستمر، اختار العمل عبر أدوات داخلية سودانية وأفريقية،)، وكل من يسهّل أو يغطّي أو يتغاضى، يتحمل مسؤولية مباشرة عن تفكيك الدولة السودانية وضرب استقرار الإقليم من بوابته الشرقية.
