“شرتـمة” الدعم السريع .. هل هي الحل الأسـلم (1-2)؟
Mazin
العبيد أحمد مروح
في أكتوبر من العام 2024 قمت بزيارة مجاملة لأحد الأصدقاء من السفراء العرب في بورتسودان، تناولتُ معه فنجان قهوة وتبادلنا وجهات النظر حول الحرب التي اندلعت في السودان، فشرحت له وجهة نظري حول مسببات الحرب ومآلاتها، ومما قلته له وقتها أن الجيش السوداني سينتصر في نهاية المطاف لكن نهاية الحرب قد تستغرق وقتاً أطول مما مضى، نظراً لإصرار الطرف الخارجي الذي يقف وراء الدعم السريع على حشد كل أنواع الدعم لصالح استمرارها
لم يعلق على ما قلته، لكنه فاجأني بمعلومة ما زلتُ أراقب تمظهراتها على أرض الواقع منذ ذلك الحين، وأراها تتجسد كل مرة، بشكل أو بآخر؛ قال لي إن أحد سفراء الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، قال له: “لم يعد هناك دعم سريع واحد، وإنما أصبحت هناك دعومات سريعة” وأن فرصة الدعم السريع في الاستيلاء على السلطة تتراجع بشكل مضطرد !!
العبارة المختصرة كانت تعني لي أن دولاً وازنة كانت تدرك، منذ وقت مبكر، أنه لا مستقبل للدعم السريع، فهو وإن بدا يومها قوياً يسيطر على المقار الحكومية في وسط الخرطوم، ويحاصر الجيش في مقاره، إلاّ أن تركيبته القيادية أصابها خلل جوهري أفقدها نظام القيادة والسيطرة أو هكذا كانوا يرونها.
الحديث عن نشأة الدعم السريع، وتكويناته مبحثٌ يطول، وهو أمر يستحق أن تتم دراسته بعناية وفحصه بشكل أعمق مما يجري تداوله، والثابت عندي في هذا، أن الرئيس البشير، الذي تُنسب إليه الفكرة والتأسيس، لم تلتمع الفكرة في ذهنه فجأة في يوم واحد، ويقرر إنشاء قوات الدعم السريع، وإنما تبلورت الفكرة في ذهنه نتيجة وقائع عسكرية وسياسية داخلية وخارجية، إمتدت لعشر سنوات، هي المدة الفاصلة بين إندلاع التمرد في دارفور وبين قرار إنشاء قوات الدعم السريع، وبين تلك البدايات وحتى العزم باتخاذ القرار، جرت مياه كثيرة تحت الجسر، تستحق أن تؤخذ كلها في الاعتبار لمن أراد الإنصاف بشأن سلامة القرار من عدمه.
ليس بالجديد القول بأن التمرد الذي اندلع في دارفور في العام 2003 كانت تقوده حركتان مسلحتان تنتمي قيادتهما وغالبية المقاتلين فيهما إلى ما صاروا يعرفون بقبائل “الزرقة” في الإقليم، وهي قبائل الزغاوة والفور والمساليت وأن ذلك التمرد لم تحركه الغبائن والأطماع وحدهما وإنما حركته قضية جوهرية تتعلق برفع المظالم التاريخية عن ذلك الجزء من السودان، وأنه بمرور الوقت وتطاول أمد الحرب وعجز السلطة المركزية في القضاء على التمرد، أخذت المكونات الأخرى في الإقليم ، وأعني بها القبائل المصنفة ذات أصول عربية تشعر بالقلق على مستقبلها، مما سهل على السلطة المركزية تحشيدها للقتال في صف القوات المسلحة ولمواجهة المتمردين على النحو الذي بات معروفاً منذ إنشاء قوات “حرس الحدود” وإلى إنشاء الدعم السريع، غير أن المهم في هذا – والذي يتناساه كثيرون من الذين يتصدون للكتابة في هذا الموضوع – هو أن الأسلوب الذي قاتلت به قوات الدعم السريع، منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا، لم يكن أسلوب قوات محترفة تخضع لنمط ممركز في القيادة والسيطرة، وإنما كان هو أسلوب الحياة البدوية نفسه القائم على أساس فكرتي “الفزع” أو “النفير” أي تجميع رجال القبيلة وشبابها من مختلف البطون والأفخاذ، في شكل مجموعات، لأداء مهمة محددة بإطار زمني ، إما لأغراض النجدة والإغارة، أو لأغراض الإسناد “المدني” كحصاد الزرع أو “جـز” الصوف، ثم سرعان ما يتفرق الجمع بعد إنجاز المهمة ليذهب كل فوج من حيث أتى!!
كان الدعم السريع في تخلقه الأول عبارة عن مجموعات مقاتلة تتبع لقادة ميدانيين شبه مستقلين عن بعضهم البعض، كما في حالة حميدتي وإدريس حسن والنور القبة، وغيرهم .. يأخذ كل قائد رتبة عسكرية من القوات المسلحة، ويُمنح عدداً من “النـِمر” يقوم بتوزيعها على أقربائه ومحاسيبه دون معيار موضوعي، وعلى الرغم من محاولات المأسسة التي حاول نظام الإنقاذ إدخالها على هذا المكون شبه العسكري، من خلال إنتداب ضباط من جهاز الأمن والمخابرات ومن القوات المسلحة لصفوفه القيادية، إلاّ أن أثر ذلك بقي محدوداً ومحصوراً في عمليات تدريب وتأهيل القوات، وفي قيادة العمليات القتالية، لكن جوهر التنظيم العسكري بقي هو البنية القبيلة بثقافتها التي أشرنا إليها آنفاً، وهي بيئة لا تعرف أخلاقاً للحرب، وتمجد السلب والنهب والاستيلاء على حقوق الغير؛ وبعد سقوط نظام الإنقاذ، تُرك الحبل على الغارب، فتمدد الدعم السريع، عسكرياً ومدنياً، وزاد من إنتداباته على الصعيدين، إلى الدرجة التي وصفه فيها كثيرون بأنه أنشأ دولة داخل الدولة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ومع هذا كله، لم يرتق إلى الوصف بأنه أصبح قوة نظامية، إذ ظلت بنيته الثقافية وبناؤه الوسيط والقاعدي لا مركزياً وصورة أخرى من حياة تلك المجتمعات القبلية العابرة للحدود.
الإضافة الحقيقية في بنية الدعم السريع – إن جاز وصفها بذلك – والتي حدثت خلال سنوات الانتقال الأولى، لم تكن في تمدده السرطاني في جسد الدولة فحسب، وإنما كانت في إعادة توجيه بوصلته، ليتحول تركيز الأسرة التي تسيطر عليه (آل دقلو) من منحازين لصف الدولة ومدافعين عن حقوق القبائل العربية في دارفور على أيام الإنقاذ، إلى شركاء في السلطة المركزية في الخرطوم عقب التغيير في 2019 ثم إلى طامعين في بسط سيطرتهم على السودان كله وإنهاء حكم ما يعرف بالقبائل النيلية أو دولة 56 سمها ما شئت .. وكما هو واضح، فمن المهم هنا القول أن هذا التحول لم يتم بين يوم وليلة، وإنما تم على عدة مراحل زمنية وفي بيئات سياسية مختلفة، واشتركت في صناعته عوامل داخلية وأخرى خارجية، ربما نأتي على تفصيلها في مناسبة أخرى.
ثلاثة عوامل رئيسية، جعلت من “الدعم السريع” جهة جاذبة للإنخراط في صفها أو التحالف معها على أيام الفترة الانتقالية.. المال المتدفق بلا حساب لشراء الولاءات، والسلطة التي تمنح وتمنع بلا رقيب، والسيطرة على كامل مقدرات السودان التي باتت قاب قوسين أو أدنى، ولم يتوقف أثر ذلك عند حدود حواضن بعينها من قبائل دارفور وكردفان في السودان وإنما تعداه إلى منطقة الساحل الأفريقي بكاملها، حيث راودت أحلام ومطامع السيطرة على السودان، القبائل العربية في تلك البلدان “عربان الشتات”، وجرت عمليات تجنيد وتجنيس واسعة وسطهم، للإنخراط في صفوف الدعم السريع خلال سنوات الانتقال التي سبقت اندلاع الحرب، وقد كان لتلك الأحلام والأطماع ، فضلاً عن أخذ النصيب الأوفر من مغانم سدنة دولة 56 ، الدور الأبرز في حشد المقاتلين للسيطرة على الخرطوم و ولايات وسط السودان، بعدما فشلت خطة “الإنقلاب الخاطف” الذي خططت له قيادة الدعم السريع للإستيلاء على السلطة في الخرطوم، بمساندة حلفائها من قوى الحرية والتغيير، وبدعم نوعي من دولة الإمارات العربية المتحدة في منتصف أبريل 2023
خاض الدعم السريع حروبه وغزواته الأخيرة، على مدى ثلاث سنوات، تبخرت خلالها أحلام قيادته وداعميها في السيطرة على السودان، وإعادة هندسة دولة 56 بما يشمل الجيش والمجتمع والاقتصاد وغيرها، عن طريق القوة المسلحة، وها هو الآن يقترب من أفول نجمه، بعد أن فقد كل عناصر الجذب إليه، فلا مال ولا غنائم ولا سلطة تلوح في الأفق القريب، مما سهل بداية تفكيكه وإعادته إلى جذره القبلي، لكن الظن بأن مسار التفكيك هذا كفيل وحده بوأد هذا الشر المستطير ضرب من التبسيط المخل والخطير في نفس الوقت.. والحل في تقديري يكمن في مقاربة مختلفة تذهب أعمق لتشخيص البيئة الثقافية التي نشأت فيها هذه المجاميع القبيلية، لتفهمها بشكل جيد، ومن بعد ذلك يتم رسم خارطة الطريق المفضية إلى إرساء حلول مستدامة لهذه المعضلة التي أهلكت الحرث والنسل.
في الجزء الثاني من المقال نشرح معنى كلمة “شرتمة” التي جاءت في العنوان، ونحاول الإجابة على السؤال المطروح عن ماهية الحل الأسـلم.