تقارير

شبكات الأمان المجتمعي مبادرات أهلية تخفف وطأة الأزمة الاقتصادية على الأسر محدودة الدخل

الخرطوم – حفـية نورالدئم
في ظل التحديات الاقتصادية المتصاعدة وارتفاع تكاليف المعيشة، برزت في ولاية الخرطوم مبادرات مجتمعية متعددة لدعم الأسر محدودة الدخل، لتشكّل ما يشبه “شبكات أمان اجتماعي غير رسمية” تسعى لاحتواء تداعيات التضخم وضعف القوة الشرائية.
وتأتي هذه التحركات في وقت تشير فيه تقديرات اقتصادية محلية إلى استمرار الضغوط التضخمية على السلع الأساسية، خاصة الغذاء والوقود والخدمات، ما انعكس بصورة مباشرة على أنماط الاستهلاك الأسري وأدى إلى تراجع القدرة على تلبية الاحتياجات اليومية.
مبادرات بأثر مالي ملموس
*مبادرات محلية… بأرقام لافتة
وفي ولاية الخرطوم برزت مبادرات فردية ذات طابع مجتمعي ، حملت أبعادًا اقتصادية تتجاوز الطابع الخيري، لتشكل مساهمات مالية مباشرة في دعم القوة الشرائية للأسر محدودة الدخل.
ومؤخرا نفذت الناشطة المجتمعية هالة الشفيع مبادرة لتوزيع (500) سلة غذائية، تجاوزت قيمة الواحدة منها (200) ألف جنيه سوداني، ليبلغ إجمالي الدعم نحو 100 مليون جنيه.
وفي مبادرة أوسع، وزع رجل الأعمال عمر النمير (5,000) سلة غذائية بمتوسط يتجاوز (200) ألف جنيه للسلة، ما رفع القيمة التقديرية إلى نحو مليار جنيه سوداني.
وبذلك بلغ إجمالي ما تم ضخه عبر المبادرتين نحو 1.1 مليار جنيه سوداني، وهو رقم يعكس قدرة القطاع الأهلي على التحرك السريع وتوفير تدخلات ذات أثر مباشر في السوق المحلي.
*مبادرة عابرة للحدود: دعم من المهجر
في سياق موازٍ، أعلنت منظمة سابا – تجمع الأطباء السودانيين في الولايات المتحدة – إطلاق مبادرة إنسانية لشهر رمضان تستهدف دعم 137 ألف سوداني، عبر مسارات غذائية وإنسانية متعددة، مع التأكيد على معايير الجودة والكفاءة والشفافية.
ويهدف المشروع إلى حماية 137,500 فرد عبر 27,500 أسرة، من خلال توفير 480 ألف وجبة ساخنة يوميًا تُقدَّم عبر مطابخ مركزية مجتمعية في ولايات
الخرطوم ،شمال دارفور
جنوب كردفان كما يشمل توزيع 5,500 سلة غذائية متكاملة في خمس ولايات رئيسية، تحتوي كل سلة على (13) صنفًا أساسيًا من المواد الغذائية التي تراعي الثقافة المحلية، مثل الدقيق، الزيت، التمر، الكركديه، والبقوليات
ويستند اختيار الولايات إلى معدلات النزوح وسوء التغذية المسجلة، فيما يشارك في التنفيذ (120) متطوعًا شابًا تم تدريبهم لضمان الالتزام بمعايير الحماية والمساءلة الإنسانية أثناء التعبئة والتوزيع.
وتشير المنظمة إلى أن متوسط تكلفة دعم الأسرة الواحدة طوال فترة المشروع يبلغ 83.43 دولارًا أمريكيًا، ما يعكس كفاءة إدارة الموارد وتحقيق قيمة عالية مقابل الإنفاق.
*من الإغاثة إلى الاقتصاد التضامني
يرى الدكتور أحمد الطيب عبدالقادر، أستاذ الاقتصاد بجامعة جامعة الخرطوم، أن:
“عندما تضخ مبادرات أهلية أو منظمات مجتمع مدني موارد بهذا الحجم في شكل سلع وخدمات غذائية، فإنها تمثل تدخلًا مباشرًا في دورة الاستهلاك المحلي، وتسهم في تخفيف حدة الصدمة التضخمية ولو بصورة مؤقتة.”
فالدعم العيني لا يخفف الضغط على الأسر فحسب، بل يحرك سلاسل الإمداد، ويعزز الطلب، ويضخ سيولة ضمنية في الأسواق المحلية.
*بين الاستجابة الطارئة والاستدامة
رغم أهمية هذه المبادرات من حيث الحجم والقيمة، يؤكد خبراء أن فعاليتها تظل قصيرة الأمد ما لم تُدمج ضمن رؤية أوسع تعالج:
التضخم الهيكلي
ضعف الإنتاج المحلي
هشاشة سلاسل الإمداد
تآكل الدخول الحقيقية
ومع ذلك، تكشف هذه الأرقام – محليًا ومن المهجر – عن ملامح اقتصاد تضامني ناشئ، يعتمد على تعبئة المجتمع وموارد الشتات لسد فجوات ملحّة في منظومة الحماية الاجتماعية.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل تتحول هذه المبادرات إلى نموذج مؤسسي مستدام لشبكات أمان اجتماعي منظمة، أم تظل تدخلات موسمية تخفف الألم دون معالجة أسبابه الجذرية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى