رأي

شادي وعامر… حين يتكلم الأداء ويصمت الضجيج

بقلم د. محمد بدوي مصطفى

في خضم هذا الواقع الكروي المرتبك، وفي وسط الإحباط العام الذي يخيّم على الشارع الرياضي السوداني، برز نموذجان يفرضان نفسيهما بقوة: “شادي” (هولندا) و”عامر” (أستراليا). تألقهما لم يكن صدفة، ولم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة طبيعية لعقلية مختلفة، وروح عالية، وأداء يعكس معنى أن تلعب من أجل الوطن لا من أجل الاسم. فضلًا عن احترام اللاعب لنفسه وللمهنة التي جعل منها صنعته وأكل عيشه. بعيدًا عن حياة العربدة والصخب والأضواء الزائفة. أبهرني تواضعهما ووقفوهما على أرض الواقع بأقدام ثابتة، على حد قول المثل الأوروبي.

بالابن شادي قدّم نموذجًا للاعب الذي لا يخشى الأسماء الكبيرة، ولا يرتبك أمام النجوم. لعب بثقة، بجرأة، وبوعي تكتيكي واضح أمام كل الفرق وتمكن من السيطرة على اللاعب العالمي السنغالي ساديو مانيه، ومن جهة أخرى فقد أربك خصومه، وفرض حضوره داخل الملعب. لم يعتمد على “السمعة”، بل صنع احترامه بقدميه، وكان مثالًا حيًا على أن كرة القدم تُلعَب بالعقل قبل العضلات، وبالالتزام قبل الشعارات وبالروح ونكران الذات قبل المال والجاه والوساطات.

أما فيما يتعلق باللاعب الخلوق عامر، فقد جسّد صورة اللاعب الجائع للإنجاز، اللاعب الذي يعرف قيمة الفرصة حين تأتي، ولا يفرّط فيها. هدفه لم يكن مجرد رقم في النتيجة، بل رسالة واضحة: أن الفرح الحقيقي هو حين تخدم المنتخب، وحين تشعر أنك أضفت شيئًا لوطنك. طريقة احتفاله كانت صادقة، نابعة من القلب، وتعكس إحساسًا عاليًا بالمسؤولية والانتماء. وأحرز، في نظري، أجمل هدف في هذه البطولة، وبطبيعة الحال، انهالت عليه العروض من الفرق الكبيرة الأوروبية والعربية وحتى السودانية. لكننا ننصحه بأن يرجع النظر كرتين ويا حبذا أن يصقل خبراته ومهاراته في فرق أوروبية لها الباع الأكبر في صناعة الروّاد في مجال كرة القدم وما التوفيق إلا من عند الله وله منّا الشكر أجزله والثناه أكبره وموفق بإذن الله يا عامر، فأنت اسم على مسمى.

في نظري يا سادتي أن الأهم من الأداء الفني، هو ما قدّمه شادي وعامر على المستوى الذهني والنفسي. رأينا لاعبًا يبكي بعد صافرة النهاية، لا تظاهرًا ولا بحثًا عن تعاطف، بل حزنًا على منتخب، وغيرة على علم. هذه المشاعر، حين تُقرن بالاحتراف والانضباط، هي الأساس الذي تُبنى عليه المنتخبات الكبيرة.

ما قدّمه هذان اللاعبان يفتح باب السؤال مجددًا: لماذا لا يكون هذا هو المعيار؟ لماذا لا نختار اللاعب الجاهز ذهنيًا وبدنيًا، القادر على مجاراة النسق العالي والعالمي، بدل الغرق في مقارنات عقيمة وأسماء استهلكها الزمن؟ الفارق كان واضحًا، ليس في الموهبة فقط، بل في العقلية، وفي فهم وقراءة اللعبة والمعلب والتحضير لكل مباراة عند معرفة الخصم كما أدلى شادي في عدّة مرات، أنّه درس طريقة ساديو مانيه ويعلم تماما ما الذي يمكن أن يخرجه من طوره، ضف على ذلك التعامل مع ضغط المباريات الكبيرة في مسرح لم يدخله هذان اللاعبين من قبل.

إخوتي مشعيّ المنتخب الوطني، مع كل احترامي لكل اللاعبين والمهنيين والمدربين، فشادي وعامر ليسا مجرد لاعبين تألقا في مباراة، بل مؤشرًا على الطريق الصحيح. طريق يعتمد على الاحتراف، وعلى منح الفرصة لمن يستحق، وعلى كسر الأصنام الكروية التي عطّلت تطور المنتخب لسنوات طويلة.

وأقولها هنا على الملأ ولا أخشى في الله لومة لائم، فيا أهل السودان ويا اتحاد الكرة السودانية، إذا أردنا مستقبلًا مختلفًا لكرة القدم السودانية، فعلينا أن نقرأ هذه الرسائل جيدًا. فالأوطان لا تُبنى بالأسماء، بل بالأفعال. والمنتخبات القوية لا تصنعها المجاملات، بل يصنعها لاعبون يشبهون شادي… ويشبهون عامر.

وما التوفيق إلا من عند الله … رسالة من محبّ بنكران ذات … أبو طارق … د. محمد بدوي مصطفى (رسالة من ألمانيا والمغرب)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى