في “عروس الرمال” مدينة الأبيض، حيث الكرم الفطري والنقاء، تفتحت عيناها على الدنيا، قبل أن تنتقل لتترعرع في “أم درمان” عاصمة الوطنية والثقافة.
اسمها: الحاجة سيدة سنهوري.
امرأة لم تكن تبحث عن الأضواء يوماً، لكن الأضواء هي التي سعت إليها لتنير بها دروب الخاشعين.
تزوجت في العام 1953 من رجل الأعمال المعروف “مأمون البرير”، لتكون السند والشريكة في رحلة كفاح ونجاح طويلة. ورغم أن الدنيا أقبلت عليها بثرواتها، إلا أنها كانت تدرك بحكمة الأمهات الكبار أن:
“الثروة الحقيقية ليست ما نكنزه في المصارف… بل ما نبنيه لله، ليبقى شاهداً لنا لا علينا.”
“المنشية” تعانق السماء (حلم يتحقق)
لم تختر السيدة سنهوري أن تبني قصراً جديداً لتسكن فيه، بل اختارت أن تبني بيتاً لله يتسع للجميع.
في العام 2001، افتُتح “مسجد السيدة سنهوري” في ضاحية “المنشية” العريقة بالخرطوم.
لم يكن مجرد بناء إسمنتي؛ بل كان تحفة معمارية مهيبة بمئذنتين شامختين، وتفاصيل تحاكي الفسيفساء العثمانية الدقيقة، وأعمدة رخامية تمنح المكان جلالاً تسكن له النفوس.
بمرور الأيام، لم يعد هذا المسجد مجرد دار للعبادة… بل صار “قلب الخرطوم الروحاني”.
اقتران “المكان” بـ “الصوت” (ظاهرة الشيخ الزين)
لا يمكن ذكر مسجد السيدة سنهوري دون أن يتبادر إلى الذهن ذلك الصوت الشجي الذي يغسل هموم المصلين.
اقترن اسم المسجد بالشيخ القارئ “الزين محمد أحمد”.
في ليالي رمضان، كان المسجد وباحاته والشوارع المحيطة به تتحول إلى “نهر بشري” يضم أكثر من 10 آلاف مصلٍ يومياً!
يأتون من كل أطراف العاصمة، تسبقهم أشواقهم لأداء صلاتي التراويح والتهجد.
كانت “سيدة” ترى ثمرة غرسها في حياتها… ترى كيف أصبح اسمها مقترناً بدموع المتهجدين ودعوات المصلين في جوف الليل.
خيمة “البر والإحسان” (أم المصلين)
لم تكتفِ ببناء الجدران، بل تكفلت بـ “إعمار الأرواح”.
كان المسجد في عهدها قبلة لآلاف الصائمين الذين يفطرون في ساحاته كل رمضان في أضخم (موائد الرحمن).
كما أصبح المسجد “أيقونة” ومحطة رئيسية لعقد القران (الزيجات) في أيام الجمعة، تيمناً ببركة المكان وصفاء نية صاحبته.
عُرفت بين الناس بلقب “سيدة البر والإحسان”، امرأة سخية اليد، تعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وتعمل في صمت تام بعيداً عن ضجيج الإعلام وعدسات الكاميرات.
ترجل “السيدة”.. والصدقة التي لا تمـ.ـوت
في شهر مايو من العام 2025، وبعد حياة حافلة بالبذل، أسلمت الحاجة سيدة سنهوري الروح إلى بارئها.
رحلت في زمن استثنائي وصعب يمر به الوطن، لكن رحيلها حرك القلوب وذكّر الناس بصفوة نساء السودان.
ولأن النوايا الصادقة لا تمـ.ـوت، فما إن بدأت الأنفاس تعود إلى الخرطوم مؤخراً، حتى كان “مسجد السيدة سنهوري” من أوائل المعالم التي رُفع فيها الأذان وأقيمت فيها صلوات التراويح من جديد، ليعود النبض إلى المكان، وكأن روحها الطاهرة تبتسم من السماء.
الحاجة سيدة سنهوري…
لم تكن مجرد سيدة مجتمع، بل كانت “مؤسسة خيرية” تمشي على قدمين.
امرأة أثبتت أن أجمل خلود في الدنيا، هو أن يذكرك الآلاف بالدعاء عند كل سجدة، ومع كل آية تُتلى في محاريب النور..
#قصص_صور_من_السودان
منقول ..