سيادة أم وصاية؟ قراءة فلسفية في مؤتمر برلين وجدل السلام المجتزأ في السودان
Mazin
ادم أبكر عيسي.
يُعد مؤتمر برلين الأخير بشأن السودان (أبريل 2026) محطة مثيرة للجدل فلسفيًا، إذ يستعيد رمزية مؤتمر 1884/1885 الذي رسم خرائط الاستعمار في أفريقيا. فكما قسّمت القوى الأوروبية آنذاك القارة بلا اكتراث بمصائر شعوبها، ها هي اليوم تعود بصيغة إنسانية جديدة، لكن السؤال الفلسفي المحوري يبقى: هل يمكن لمبادرة دولية أن تنتج سلامًا عادلًا دون شرعية داخلية؟ تتشابك هنا ثلاث طبقات إشكالية: مقاطعة الكتلة الديمقراطية، ورفض الحكومة السودانية ممثلًا في بيان الخارجية، واتهام المسار بأنه “رباعية جديدة” تغطي على مليشيات الدعم السريع. هذا المقال يحلل آليات السلام الممكنة في ضوء هذه التناقضات.
1️⃣أولًا: مقاطعة الكتلة الديمقراطية والحكومة – أزمة تمثيل أم سيادة؟
جاء الرفض السوداني الرسمي حازمًا وواضحًا. فقد أعلن نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار اعتراض السودان على مؤتمر برلين، مؤكدًا أن “الحلول يجب أن يحددها المواطنون السودانيون وحدهم”، وأن المؤتمر “يتناقض مع رغبات وتطلعات الشعب السوداني”. وأضاف أن الشعب يرفض القرارات المفروضة خارجيًا، واصفًا الصراع بأنه “حرب سودانية يجب حلها من خلال حلول تنبثق من الشعب”.
أما الكتلة الديمقراطية، التابعة لقوى إعلان الحرية والتغيير، فقد عبرت عن تحفظاتها العميقة. فبينما أكد المتحدث الرسمي باسمها الدكتور محمد زكريا أن الكتلة تلقت دعوة للمشاركة من الآلية الخماسية (الاتحاد الأفريقي، الأمم المتحدة، الجامعة العربية، الاتحاد الأوروبي، الإيغاد)، شدد على ضرورة “الحفاظ على الملكية السودانية للعملية”، وألا يقتصر دور الميسرين على “التيسير دون التدخل في تحديد من يشارك”. كما أشارت الكتلة إلى إشكالية إقصاء الحكومة السودانية، وغياب المعايير العادلة في اختيار المشاركين.
تحليل فلسفي:
· ثنائية السيادة مقابل الحق الإنساني: تستند الحكومة إلى مبدأ السيادة الويستفالية (عدم التدخل)، بينما يرى المنظمون أن الحرب تنتج “انتهاكات جسيمة” تبرر التدخل الإنساني. هنا يتجلى الصراع بين كانط (ضرورة نظام كوني فدرالي للسلام) وهيغل (الدولة هي تجسيد أسمى للعقل الأخلاقي). · مقاطعة الكتلة الديمقراطية: تعكس انعدام ثقة جذريًا في النوايا الدولية. فالكتلة ترى أن المؤتمر يكرس نموذج “السلام من فوق” الذي يهمش العدالة الانتقالية والمدنية الحقيقية.
النتيجة: غياب شرعية التمثيل يحوِّل المؤتمر إلى “فعل رمزي” غير ملزم، يخدم أطرافًا خارجية أكثر مما يخدم السودانيين.
يرى المحللون أن المؤتمر هو إعادة إنتاج لـ”الرباعية” (آلية رباعية سابقة)، لكن بثوب غربي (ألماني-أوروبي) هدفه:
1.رفع الحرج العسكري والأخلاقي عن قوات الدعم السريع عبر إضفاء شرعية دولية عليها كطرف تفاوض. 2.الالتفاف على الاتحاد الأفريقي والإيغاد اللذين أوقفا التعامل مع قادة الدعم السريع بتهم انتهاكات حقوقية.
ويأتي هذا المؤتمر كثالث مؤتمر أوروبي سنوي، بعد مؤتمر باريس (أبريل 2024) ومؤتمر لندن (أبريل 2025). وقد وجهت الدعوات لحوالي 40 شخصية سياسية ومدنية سودانية، مع توزيع أربع دعوات لكل من الكتلة الديمقراطية وتجمع “الصمود” وتنسيقية القوى الوطنية، في غياب تام للحكومة السودانية.
قراءة فلسفية – مكيافيلي اليوم:
المؤتمر يُظهر ازدواجية المعايير في السياسة الدولية: فـ”الرباعية السابقة” كانت ترفض الدعم السريع كطرف، أما “برلين” فتقدمه كـ”ضرورة واقعية” لإنهاء الحرب. هذا يعكس منطق الغاية تبرر الوسيلة (مكيافيلي)، حيث يصبح السلام وهمًا إذا بُنِيَ على إعفاء المعتدي من المساءلة.
والأخطر أن المؤتمر لم يُصدر أي آلية رادعة ضد الانتهاكات الجارية، بل اكتفى بـ”دعوات لوقف إطلاق النار” – مما يجعله أقرب إلى مسرح سياسي منه إلى معالجة حقيقية. كما حذرت الكتلة الديمقراطية من أن “التدخلات الدولية كانت، ولا تزال، عاملاً رئيسياً في تعقيد الأزمة السودانية”.
3️⃣ثالثًا: آليات تحقق فرصة السلام – من برلين إلى الخرطوم
إذا أردنا سلامًا حقيقيًا في السودان، فلا بد من آليات تتجاوز المؤتمر. يمكن صياغتها فلسفيًا على النحو التالي:
1.آلية المركزية السودانية (نقيض النموذج البرليني)
· الحوار السوداني-السوداني دون وصاية: تحت إشراف الاتحاد الأفريقي (ليس أوروبيًا). · نموذج العدالة الانتقالية مع إشراك المجازين (محكمة خاصة بجرائم الحرب، تعويضات، إصلاح مؤسسي). · الفلسفة الأساسية: السلام لا يُستورد من برلين، بل يُبنى من الداخل عبر عقد اجتماعي جديد (جان جاك روسو).
2.كسر حلقة المقاطعة عبر ثلاثة مداخل:
· قناة خلفية بين الحكومة والكتلة الديمقراطية لتشكيل وفد موحد تفاوضي. · ضمانات دولية مشروطة (وليست مُطلقة): مثل ربط أي دعم مالي بوقف انتهاكات حقوق الإنسان، مع عقوبات فورية للمخالف. · تحييد ملف “الدعم السريع” قانونيًا: إما دمجه في جيش واحد (مع هيكلة عادلة) أو محاكمته دوليًا – لا توجد خيارات رمادية.
3. آليات الرقابة الشعبية والمحلية. .اللجان الشعبية لوقف الحرب (نموذج لجان مجتمعية السودانية) كضامن شعبي لأي اتفاق. · مراكز رصد ميدانية بقيادة منظمات مدنية سودانية (دون وصاية دولية) تنشر تقارير دورية عن الانتهاكات. · فلسفة الحوكمة الرشيقة (بخلاف المؤتمر البيروقراطي الثقيل).
⏮️خاتمة: السلام كحقيقة وليس كخطاب
مؤتمر برلين – في قراءته الفلسفية – ليس سوى “سلام الخطابات” لا “سلام الحقائق”. فهو يكرس أخطاء الماضي: إقصاء المحلي، تزيين المعتدي، وتقديم الوصاية كمساعدة. كما قال نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار: “إن الحلول يجب أن يحددها المواطنون السودانيون وحدهم”.
آليات السلام الحقيقية تبدأ بالاعتراف بأن الحرب السودانية أزمة وجودية (ليست أزمة غرف اجتماعات). ولن يتحقق السلام إلا إذا:
1 تولى السودانيون زمام حوارهم (لا ينتظرون برلين أو واشنطن). 2 أُسقطت شرعية أي مسار يمنح “غطاءً أخلاقيًا” لمليشيا ترتكب انتهاكات. 3 تحولت العدالة من شعار إلى آلية (محاكم، تعويضات، مراقبة).
فلسفيًا، السلام العادل ليس حدثًا يُعلن، بل عملية مستمرة من التمثيل الحقيقي، والمساءلة الفعلية، والمقاومة الشعبية للوصاية – أياً كان مصدرها.