“سودان فاكتور”: دعمٌ على الورق وصفوفٌ عند محطات الوقود

مهند عوض محمود

في دراسة الجدوى، يحسب المستثمر تكلفة التشغيل والتخزين، وهامش الربح، ودوران رأس المال، والعائد على الاستثمار. ثم يضيف في السودان بندًا لا تعرفه كليات الاقتصاد ولا تدرّسه الجامعات: Sudan Factor.

هذا العامل يتدخل فجأة، فيُغني من يشاء ويُفقر من يشاء، من دون عبقرية إدارية أو أخطاء كارثية؛ يكفي أن يصدر قرار يغيّر قواعد السوق. عندها لا تعود دراسة الجدوى تسأل: كم سينتج المصنع؟ بل: متى يصدر القرار؟ ومتى تصل العملة؟ وهل تدخل الباخرة قبل أن يتحول الوقود إلى خبر عاجل وصفّ طويل؟

في ملف الوقود، تدخل بنك السودان المركزي لتوفير العملة لمستوردي الوقود. وكان الهدف المعلن نبيلًا: توفير الدرهم بسعر أقل، بفارق يقارب 400 جنيه، حتى ينعكس ذلك على التسعير الذي تعتمده وزارة النفط ويصل أثره إلى المواطن. لكن سودان فاكتور أضاف إلى الخطة شرطًا صغيرًا: أن تصل العملة في موعدها. وهذا، على ما يبدو، تفصيل فني لا تلتفت إليه دراسة الجدوى.

فالعملة تتأخر، فتتأخر التسوية، وتتأخر البواخر، ويتأخر التسعير. الدعم يصل إلى الورق، أما الوقود فيبقى في البحر. ووفق معلومات موثوقة متاحة عند إعداد هذا المقال، تنتظر خمس بواخر خارج الموانئ، تحمل آلاف الأطنان من الوقود. والمواطن، بطبيعة الحال، لا يستطيع تعبئة سيارته ببيان من البنك المركزي.

حين يقل المعروض، يذهب المواطن إلى السوق السوداء، ويدفع أضعاف ما كان يفترض أن يوفره دعم الـ400 جنيه. المزارع يدفع أكثر ليحصد، والتاجر يدفع أكثر لينقل، ثم يدفع المواطن أكثر ليشتري الطماطم. وهكذا قد يفتح سودان فاكتور لتاجر الوقود هامشًا إضافيًا لم يظهر في الإكسل، بينما يختفي أثر الدعم من حساب المواطن.إنها سياسة دعم سودانية بامتياز: يُعلن الدعم للمواطن، ثم يُجبر على دفع ثمن غيابه من جيبه.

المفارقة أن سودان فاكتور نفسه كان في مرحلة سابقة يعمل على إغراق السوق بالوقود، حين كانت المصارف التجارية توفر العملة وتُسدَّد بها قيمة البواخر. وفي واقعة تداولتها الصحافة، اتفق تجار على ألا يبيعوا بأقل من السعر الذي حددوه، ثم أقسموا على ذلك بالمصحف. لم يكن ذلك انتصارًا للمنافسة؛ كان اتفاقًا لحماية السعر. لكن المشهد يظل ساخرًا: في زمن الوفرة، يخشى التجار أن يكسر أحدهم السعر؛ وفي زمن الندرة، يتكفل الصف والسوق السوداء بالمحافظة عليه. سودان فاكتور حاضر في الحالتين: مرةً يغرق السوق، ومرةً يتركه عطشانًا.

أما الدولار، فكان في حدود سبعة آلاف جنيه في الفترة التي يستند إليها هذا النقاش، ثم اقترب من عشرة آلاف؛ أي بزيادة تصل الي 43%. لا يعني ذلك أن تدخل البنك المركزي في الوقود هو السبب الوحيد في تراجع الجنيه؛ فالحرب وشح موارد النقد الأجنبي والطلب على الاستيراد عوامل أخرى. لكن حين يتركز طلب كبير ومتجدد على العملة لدى جهة واحدة، ثم تتأخر تلك الجهة في توفيرها، فإنها لا تخفف الضغط على سوق الصرف كما ينبغي؛ بل قد تسهم في تسريعه. البنك لم يشعل الحريق وحده، لكن لا يصح أن يتصرف كأنه لم يقترب من علبة الثقاب.

والذهب يقدّم جانبًا آخر من الحكاية. يحتاج السودان إلى حصائل الذهب لتوفير النقد الأجنبي، لكن إذا كان سعر الشراء الرسمي أقل مما يمكن أن يحصل عليه المنتج أو التاجر عبر التهريب، فالمسار الرسمي يخسر المنافسة قبل أن تبدأ. لا يحتاج المهرب إلى دراسة جدوى معقدة؛ تكفيه مقارنة سعرين. وإذا جعلت سياسة الشراء التهريب أكثر إغراءً، فبدل أن تجذب الذهب إلى القنوات الرسمية، تكون قد دفعت به إلى خارجها، وحرمت المصارف من مورد تحتاج إليه لتمويل الواردات.

ليست المشكلة في أن يتدخل البنك المركزي؛ قد يكون التدخل ضروريًا. المشكلة أن يتحول إلى بوابة واحدة لا تملك العملة الكافية لتمرير الشحنات في موعدها، أو أن تضع سعرًا لا ينافس السوق فيجعل الذهب يسلك طريقًا آخر. عندها تصبح السياسة كريمة في نيتها، متأخرة في تنفيذها، ومكلفةً للمواطن الذي يُفترض أنها جاءت لمساعدته.

في دراسة الجدوى السودانية، لا تكتب إذن: «سعر الدرهم المدعوم: ناقص 400 جنيه». أضف تحتها: «زمن وصول العملة: غير معلوم. احتمال الندرة: قائم. كلفة السوق السوداء: يحددها سودان فاكتور». ثم ضع في الخانة الأخيرة صورة مواطن يقف في الصف، فيما يشرح له أحدهم أن الدعم وصل فعلًا، لكن إلى المكان الخطأ.

↑
Exit mobile version