سعدالدين ابراهيم .. إنسان ضد الأحزان !

إبراهيم احمد الحسن
(1)
وهنا..هنا فقط نكفكف الضلوع على القلب الموجع لنُثبت مؤشر اليوم على هذه اللحظة ثمانية إلا ربع لا نبرحها أبدا .. أبدا .
(2)
وفي ذياك الزمن من قبل عشر سنين كانت برودة الجو في ذياك الصباح ، لا يطفئها كل ما في الدنيا من دفء الريد والمحبة ، وإذاعة أمدرمان عند الثامنة الا ربعاً ترسل حروف للعزيزة ، ينساب النغم من أبوعركي في منوال من العشق الشفيف ينسج حروف سعد الدين ابراهيم بهجة روائع قوس قزح تُنْشَر فوق الحبيبة ، وبين أحضان بلد حلوة تنسانا فيها .. نتذكر عندها الحبيبة عزة العاملة ومشيها
و نحث نحن الخُطى نحو العمل و قد أزفت مواعيده و في الخاطر المواعيد اللسه حزنانة بتنادي .. و نمد أيدينا آهة نكلمها و نسلم علي العيون و علي الخدود و علي اليدين و علي الضفائر . والنيل الأزرق يصطفق عن يمين الطريق موجة .. موجة ، و هُنَا .. هُنَا فقط يبلغ بِنَا العشق منتهاه و يشف الوجد حروف للعزيزة .. يشف الوجد تحية لأُمدرمان راديها ومُريديها ومرتاديها ، تحية ل ابوعركي البخيت و الف رحمة و نور ل سعد الدين ونقول له مواعيد طلتك لسه حزنانة بتنادي.
خاطرة وجدتها مندسة بين أوراق كثيرة مبعثرة ألملم شعثها أنقلها كما هي وانا أكتب عن الجميل سعد الدين إبراهيم .
(4)
إذا أردت أن أكتب وصفاً مختصراً عن سعد الدين إبراهيم لإختذلته فيما كتب هو في (ياهو دا السودان) .وينطبق الوصف علي شخصه وقع الحافر بالحافر . كان (كالضوء دفّاقاً)، يرسم كلماته من (الأعماق). يحمل أصدقائه (على الأحداق)، كما السودان (وطن عملاق، قدح الضيفان وأخو الأخوان وإنسان ضد الأحزان وملكاً للتحنان).
(5)
واذا أردت أن أكتب وصف مهني إحترافي أكاديمي ففي مختصر توثقه الوسائط كُتب عن الراحل المقيم سعد الدين إبراهيم ( وأورده هنا نصاً حتى تعرفه الجيال الجديدة):(يعتبر الشاعر والكاتب الصحفي سعد الدين إبراهيم من شعراء الاغنية السودانية، بجانب أنه كان ولفترات طويلة من أهم كتاب الاعمدة الصحفية في الصحف السودانية، وله مدرسة فنية خاصة به واشتهر شعرة بالبساطة والاسلوب السهل وله عمود صحفي بعنوان (الصباح رباح) واخر بعنوان (النشوف آخرتا).
(6)
أما أنا فقد كان لي مع الراحل سعد الدين حكايات .. وحكايات .
وحكاية كتبها في صحيفة آخر لحظة قبل وفاته بأيام في زاويته الشهيرة: (الصباح رباح) تحت عنوان: (كرامات خفيفة جداً). كتب يقول:
(كنت أود الاتصال بالأخ إبراهيم أحمد الحسن رئيس قطاع العمليات بشركة زين لأمر يتعلّق بإنتاج ديواني الأول “حروف للعزيزة”. بعثت له برسالة مؤداها أنني أرغب في محادثته. سريعاً ما هاتفني محتاراً وباغتني بسؤال. قال: (انت أهلك شيوخ يا سعد)؟!
ربما قرّ في ذهن إبراهيم وفي أذهان كثيرين بأنني من فلول اليسار، ولا تنبغي له الكرامات! قلت له: وليه ما أكون أنا ذاتي شيخ، بعدين المناسبة شنو؟!
قال لي إبراهيم، إنّه عائد من سفر ، وفي صباح يوم السفر تذكّرني بلا مناسبة، وإستحضر وقائع آخر لقاء لي معه. وعندما ركب الطائرة متجهاً للخرطوم، عمد إلى جهاز الأغاني التي يستمع عبرها، وما أن أداره، فإذا بصوت أبوعركي البخيت يغني أغنية (عن حبيبتي بقول لكم، يللّا صفّقو كلّكم)! استمع إليها إبراهيم وهو في الفضاء . ولعله توقف عند البيت (ولمّا طارت في الفضاء!). عاد إبراهيم إلى بيته من المطار، وأول رسالة في موبايله، كانت رسالتي!
إذن، هذه من كراماتي، أو من كراماته بمناسبة ذلك اليوم، واليوم هو عيد الحب، وإبراهيم من الذين نحبّهم ويحبهم غيرنا، فهو من الذين يألفون ويؤلفون) – انتهى ما كتبه سعد الدين إبراهيم .
وأقولها الآن: إنّها كراماته هو ذاك (الولي) الذي إرتحل في هدوء وتركنا نهبة للأحزان.
(7)
ومن منكم لم يدخل مع سعد الدين رواكيبنا وأوضنا ؟ وغَنَى معه ( عن حبيبتي بقولكم / لونها سمرتو منكم / عن حبيبتي بقولكم / ماخدة حاجات منكم / الأليفة ندي الشروق / الغني لي زراع أرضنا / الأصيلة زي الشعاع / تدخل رواكيبنا وأوضنا ) .
ومن منك لم يتوقف عند (الجميله تفوتنا هسه / ونبقي مشتاقين بَرِضْنَا ) ؟ مَنْ مِنكُم لم يجلس القرفصاء عند أقدام مدينتنا الحزينة ويغني لها ( ساوّك ليكم بإيدينا شاي / وحَالْبَالكُم ضرع الليل / وجالْبَالكُم ضئ القمرة / ومخبـّياهو في جيوب النيل / متى ما تدوروا بترويكم ) . ألم تدمع أعينكم وانتم ترهفون السمع إلى (وما ممكن تخليكم / تجيب النجمة تديكم/عشان كان نورا ماكفـّى / تجيب ضواً يكفـّيكم ) .
ثم أنني أجد نفسي أقول لكم بكل رهف سعد الدين وجمال روحه أغني لحبيبتي المدينة ، عن المعنى والمبنى وأقول ( عن حبيبتي بقول لكم / ولسه برضي حاقول لكم / يللا صفقوا كلكم ) .. يللا صفقوا كلكم .. يللا صفقوا كلكم .. يللا صفقوا كلكم .
(8)
وقد نظم سَعَد سَعْد الوحيدة الطال عشان جيتك وقوفنا .. ثم نسج سعد الدين شعراً يقول ( وكانت أول مرة في عُمر المدينة / أنو نامت وما حزينة / تحيا محبوبتي الحنينة ) واليوم سعد الدين وأنت ترفل في عليائك في جنات الخلد في رحمة من الله تعالى وبركاته ، نصحى على واقع فيه كل مدن الوطن نامت وإستيقظت ، ثم نامت حزينة ولم تجد من يربت على كتفها او يضمها بحنان ولم تلتق المدن الحبيبة الحَمَامات الحزينة تديها من حنانا .. تفرح كل الحزانى . ولم تجد من يغني لها ( ضُل ضفايرا ملتقانا)
(9)
ولم نجد نحن أصدقاء سعد الدين ومحبيه وأهله أشعاره تَهَدِينا وتَرَسِينا وتقول (شدُّوا أوتار الضلوع/أنا بحكي ليكم عن حنانا / مرة غنت عن هوانا/فرّحت كل الحزاني/ومرة لاقت في المدينة/الحَمَامات الحزينة/قامت أدّتا من حنانا / ولما طارت في الفضاء / رددت أنغام رضاء) . وعلى ماذا نشد أوتار الضلوع والمواعيد لسه حزنانة بتنادي ؟ وعلى ماذا نشد أوتار الضلوع ولم يعد (الصباح رباح )، وعلى ماذا نشد أوتار الضلوع وما من أحد يقف بأنفة وعزة وشموخ ليقول ( النشوف آخرتا ) . وعلى ماذا نشد أوتار الضلوع وقد ماتت الحَمَائم الحزينة ؟ وعلى ماذا نشد أوتار الضلوع ولم نعد نسمع غناوي تفرحنا وتقول يللا صفقوا كلكم ؟ ومع ذلك نقول وبالفم المليان يللا صفقوا كلكم .. يللا صفقوا كلكم .. يللا صفقوا كلكم .
(10)
ولا نملك ونحن نرى في آخر الأُفق بصيص ضؤ وعندما (نشوف آخرتا ) نرى ( الأصيلة زي الشعاع ، ندى الشروق تدخل رواكيبنا وأوضنا) عندها فقط لا نملك إلا أن نهتف لكل المدن التي نامت حزينة ( تحيا .. تحيا محبوبتي الحنينة) ونقول بملء الفم لسعد الدين : مواعيد طلتك لسه حزنانة بتنادي ثم نقول : والله يا سعد الدين ما (طلّْاَنَا من بعدك فرح ) . ومع ذلك نهتف : ( تحيا .. تحيا محبوبتي الحنينة ) ومع ذلك نُبَشِر : ( يللا صفقوا كلكم ) ، يللا صفقوا كلكم .. يللا صفقوا كلكم !!

Exit mobile version