✍🏽عثمان جلال
(1)
فكرة المقاومة الشعبية ضد العدوان الخارجي راسخة في أطوار الدولة السودانية وكلما توحدت إرادت المجتمع والقيادة تحقق الانتصار غلابا ، وقديما حققت هذه الإرادة الثنائية الصمود في وجه الغزو الفارسي بقيادة قمبيز . وقادة الملكة أماني ريناس للنصر ضد الغزاة الرومان حتى وضعت تمثال الأب المؤسس للأمبراطورية الرومانية اغسطس قيصر تحت موضع قدميها تحت العرش. وكذلك عندما اندمجت مملكتي نوباتيا والمغرة في مملكة مركزية موحدة تحت قيادة داؤود الأول وكرنبس تصدت للغزو العربي الإسلامي بقيادة عبد الله بن سعيد بن أبي السرح وذلك بالتحالف مع المصريين والقتال معهم في جنوب مصر . ثم الاستبسال والصمود في قلاع المملكة الحصينة ولقبوا برماة الحدق ثم اضطر بن السرح لتوقيع اتفاقية البقط مع عظيم النوبة قليدوروث، والتي كانت النواة الصلبة لدخول الاسلام سلما لا حربا في السودان.
(2)
لكن لما اختارت مملكة علوة العزلة والانكماش وتوحدت إرادة العبدلاب والفونج تحت قيادة الشيخ عبد الله جماع وعمارة دونقس تم اسقاط مملكة علوة وتأسيس مملكة الفونج الاسلامية .وأيضا عندما توحدت إرادة المجتمع مع القيادة في مملكة سنار حقق الملك بادي أبوشلوخ الانتصار ضد ملك الحبشة إياسو الذي أراد إسقاط المملكة وتوغل بقواته حتى مشارف الدندر وسنجة وعقب هذا الانتصار الذي أشاع الأفراح في بلاد المشرق والمغرب العربي ، توالت أفواج هجرات المسلمين من مصر والجزيرة والعربية والشام والمغرب واستقروا في أرجاء المملكة السنارية. وكذلك عندما توحدت إرادة المجتمع والقائد محمد أحمد المهدي تحقق الخلاص من الاستعمار التركي وهزيمة جيش الإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس. وآخيرا وليس آخرا عندما توحدت ارادة المجتمع والاحزاب السياسية والقيادة تحقق الخلاص من الحكم الثنائي الانجليزي المصري يناير 1956م
(3)
إن كان ذلك كذلك فإن عبرة التاريخ السياسي لأطوار الدولة السودانية تنبئنا بأنه كلما انفصلت القيادة عن المجتمع أو حدث شرخ في بنية المجتمع والقيادة دارت دورات الانتكاسات والهزائم وهكذا أدت حالة التآكل الداخلي والصراعات وحركات التمرد الى سقوط مملكة كوش في يد الآشوريين. وأدت كذلك إلى سقوط مملكة مروي في يد ملك أكسوم عيزانا ، ولكن أثمر عن سقوط هذه الممالك هجرات النوبة الكبرى إلى غرب وجنوب إفريقيا وشيدوا الإهرامات في السنغال ومعظم الطليعة التي تصدرت المشهد السياسي والثقافي في الدول الإفريقية تتحدر من الجذور الكوشية وهنا تتجلى عبقرية الوقدة الحضارية للإنسان السوداني. أيضا أدت حالة التشظي وحركات التمرد وتعازل القيادة عن المجتمع إلى سقوط مملكة الفونج في يد إسماعيل باشا عام 1821م وذات الأسباب أدت الى اضمحلال الدولة المهدية التي اختزلها التعايشي في أسرته وإثنيته حتى انقض عليها الحكم الثنائي الانجليزي المصري 1899م .وأيضا أدت حالة التشظي والانقسام في بنية القيادة والمجتمع إلى إجهاض كل الثورات التي تصدت للحكم الثنائي مثل حركة عبد القادر ود حبوبة 1908 وثورة 1924 وثورة الدينكا 1903. والزاندي 1901 . والنوير 1926م . والشهيد السلطان عجبنا 1914 وعلي الميراوي 1917 الى 1927م.
(4)
هذا الالهام والميراث التاريخي للوحدة بين إرادة المجتمع والقيادة ، والعبر والاعتبار من حالات الانقسام والانفصال بين القيادة والمجتمع عند المنحنيات التاريخية الكبرى، دفع المجتمع السوداني لإدراك أن حرب 15 أبريل 2023م مخطط صهيوأمريكي وأدوات تنفيذه الإقليمية دويلة الامارات والداخلية مليشيا آل دقلو الارهابية والجناح السياسي المدني تحالف صمود وتأسيس وأن هدف المخطط هو تصفية الجيش واستلاب الدولة السودانية ودمجها في نادي التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية الغربية . أو تمزيقها بصراع الهويات القاتلة الى كانتونات . هذا الوعي العميق بأبعاد المؤامرة الخارجية وحد إرادة المجتمع السوداني والجيش والقيادة تحت شعار جيش واحد وشعب واحد مما أدى إلى إفشال مؤامرة اختطاف الدولة . وبذات تلاحم واصطفاف الارادات الثلاث سيحطم مخطط تمزيق السودان الى دويلات متناحرة. وستتم هزيمة أدوات المشروع الصهيوأمريكي الإقليمية والداخلية، وبذات الوحدة والتصميم بين الارادات الثلاث سيتم التوافق على قضايا البناء الوطني والديمقراطية المستدامة وصولا إلى مأسسة دولة قوامة المجتمع في الحكم والسياسة والاقتصاد والثقافة والجيش.
إن معركة الكرامة هي البداية الواثقة لمشروع النهضة الوطنية الشاملة وصعود السودان الى مصاف الدول الاقليمية الكبرى المؤثرة في مجرى العلاقات الجيوسياسية الدولية.