سد النهضة… مصر ترفض الأمر الواقع ومعركة حقوقها وقواعد التشغيل تعود للواجهة

القاهرة- المحقق- صباح موسى

لم يعد سد النهضة مجرد مشروع إثيوبي قيد الإنشاء، بل أصبح واقعا مائيا وسياسيا جديدا على نهر عابر للحدود، ومع ذلك فإن اكتمال البناء لم يغلق ملف الأزمة، ولم يحسم السؤال الأصعب، هل يتحول الأمر الواقع إلى قاعدة ملزمة تتعامل معها دولتا المصب كأمر محسوم، أم تبقى طريقة تشغيل السد وآثاره على تدفقات النيل محل تفاوض وقواعد واتفاقات؟

الحقوق التاريخية
وزير الموارد المائية والري المصري الدكتور هاني سويلم أكد أن مصر لن تتخلى عن حقوقها وشعبها، مشددًا على أن بناء السد الإثيوبي ومرور الوقت لا يعنيان قبول مصر به. وقال سويلم اليوم “الأحد”، في جلسة إحاطة موسعة لوسائل إعلام إقليمية وأجنبية، إن هناك فرقا بين بناء منشأة إثيوبية على الأرض الإثيوبية، وبين بناء سد على نهر عابر للدول تحكمه قوانين عابرة للقوانين المحلية، مجددا الموقف المصري بشأن حق مصر في اتخاذ ما يلزم لحفظ حقوقها كاملة، باعتبارها حقوقا مائية وتاريخية وسياسية وأدبية، تدعمها معاهدات سابقة وقوانين ملزمة.

جوهر الأزمة
ويعيد هذا التصريح أزمة سد النهضة إلى جوهرها الحقيقي، فالقاهرة تقول بوضوح إن تحول المشروع إلى منشأة قائمة لا يعني أن الخلاف حوله انتهى، كما أن مرور السنوات لا يحول تلقائيا موقفا ترفضه مصر إلى أمر مقبول بالنسبة إليها، وهنا تبدو المسألة أكثر تعقيدا من مجرد خلاف حول إنشاء منشأة داخل الأراضي الإثيوبية، فالنهر الذي يقام عليه السد لا يتوقف عند الحدود السياسية، والمياه التي يجري تنظيمها من خلاله تنتقل إلى دول أخرى، ولذلك فإن أي تغيير جوهري في طريقة إدارة المياه أو توقيتات إطلاقها يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على دولتي المصب.

مصر تناقش
العبارة الأهم في حديث سويلم هي التفريق بين منشأة إثيوبية على الأرض الإثيوبية، وبين سد على نهر عابر للدول، فمصر وفق هذا الطرح لا تنازع إثيوبيا في حقيقة أن السد موجود داخل أراضيها، وإنما تناقش الآثار المترتبة على تشغيل منشأة تقع على مجرى مائي مشترك بين دول عدة، وهذا التفريق يفسر استمرار الخلاف رغم مرور سنوات على بدء إنشاء السد ودخوله مرحلة التشغيل، فإذا كان وجود السد أمرا واقعا من الناحية الهندسية، فإن السؤال الذي يظل مفتوحا هو..هل أصبحت طريقة تشغيله أمرا واقعا لا يجوز التفاوض بشأنه؟، وهنا تكمن العقدة الأساسية، فمصر تريد أن تكون هناك قواعد واضحة تحكم العلاقة بين السد الإثيوبي والمنظومة المائية في دولتي المصب، بينما ترى إثيوبيا أن لها حقا سياديا في الاستفادة من مواردها المائية لتحقيق التنمية وتوليد الكهرباء، وبين الموقفين توجد مساحة تفاوضية يمكن أن تكون هي الطريق إلى الحل، إذا انتقل النقاش من سؤال وجود السد إلى سؤال كيفية تشغيله بما يراعي مصالح الدول الثلاث، وهنا يكمن التعنت الإثيوبي.

ويمكن النظر من زاوية أن السد أصبح قائما، ويمكن أن تدفع الأطراف إلى إعادة تعريف هدف التفاوض، فإعادة النقاش إلى نقطة هل يُبنى السد أم لا؟ لم تعد هي المسألة الأكثر عملية في المرحلة الحالية، بينما يمكن أن يكون السؤال الأكثر واقعية هو ما القواعد التي يجب أن تحكم تشغيل السد؟، وهذا يتطلب تفاوضا مباشرا حول مجموعة محددة من الملفات، في مقدمتها تبادل البيانات، وقواعد التشغيل، وآلية التعامل مع سنوات الجفاف، والتنسيق بين السدود والمنشآت المائية في الدول الثلاث، وإدارة الحالات الطارئة، وآلية واضحة للتعامل مع أي خلاف مستقبلي.

تصرفات أحادية
وفي هذا الصدد أكد الخبير الدولي والمستشار السابق بوزارة الري السودانية الدكتور أحمد المفتي أن حديث الوزير المصري «100% وفقا للقانون الدولي»، وأن مصر قد كررته أكثر من ألف مرة منذ العام 2011. وقال المفتي لـ “المحقق” منذ بداية المفاوضات في العام 2011، وحتى الآن، إثيوبيا تتصرف بطريقة أحادية شهد بها مجلس الأمن الدولي، والاتحاد الأفريقي، وأمريكا، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، والبنك الدولي الذي رفض تمويل السد بسبب تصرفات إثيوبيا الأحادية، والأمم المتحدة، معربا عن أسفه لأن مصر لم تتخذ أي خطوة عملية للتصدي لتلك التصرفات، مضيفا نخشى أن يستمر ذلك الموقف (كلام بلا فعل على أرض الواقع)، مما يجعل تصرفات إثيوبيا الأحادية أمًا واقعا».

المطالبة بالأرض
ورأى المفتي أن ما يمكن عمله هو مطالبة إثيوبيا بالأرض التي يقام عليها السد، موضحا أن هذه الأرض منحت لإثيوبيا باتفاقية 1902 التي تنص صراحة، بحسب قوله، على أن تلك الأرض منحت لها بشرط عدم بناء منشأة مائية على تانا والسوباط والنيل الأزرق، إلا بعد إعطاء السودان إخطارا مسبقا، وهو ما لم تفعله إثيوبيا، وقال ليس بالضرورة أن يكون الهدف من المطالبة هو استرداد الأرض، بل إن تلك المطالبة تصلح للضغط على إثيوبيا للقبول بإدارة مشتركة للسد الذي أصبح أمرا واقعا.

السودان يتأثر
وفي هذه المعادلة لا يمكن النظر إلى الأزمة باعتبارها خلافا مصريا إثيوبيا فقط فالسودان يقع في قلب الأزمة، إذ يتأثر مباشرة بأي تغيير في تدفقات النيل الأزرق، كما أن لديه مصالح تتعلق بإدارة مياهه وسلامة منشآته والاستفادة من الموارد المائية والكهرباء، وبالتالي، فإن أي تسوية مستقرة تحتاج إلى أن يكون السودان طرفا كاملا في أي قواعد مستقبلية لتشغيل السد، وليس مجرد طرف يراقب التفاهم المصري الإثيوبي من الخارج.

قواعد عملية
وهنا يطرح سؤالا أوسع وهو كيف يمكن تحويل الحقوق التي تتحدث عنها مصر إلى قواعد عملية قابلة للتطبيق؟، فالتأكيد السياسي على الحقوق يمثل موقفا واضحا، لكنه لا ينهي وحده أزمة معقدة تتداخل فيها السيادة والتنمية والمياه والقانون الدولي، والطريق الأكثر واقعية هو أن تتحول هذه الحقوق والمخاوف إلى بنود محددة حول ماذا يحدث في سنوات الجفاف؟ ما حجم البيانات التي يجب تبادلها؟ متى يتم الإخطار؟ كيف تتعامل الدول الثلاث مع الطوارئ؟ وما الجهة أو الآلية التي تتدخل عندما يحدث خلاف حول تفسير قواعد التشغيل؟
وفي ظل هذا المشهد، يبرز سؤال آخر يتعلق بكيفية تعامل مصر عمليا مع المخاطر المحتملة في ظل استمرار الخلاف مع إثيوبيا وتعنتها حول قواعد تشغيل السد.

الجفاف بدأ
ومن جانبه أوضح وزير الري والموارد المائية المصري الأسبق الدكتور محمد نصرالدين علام أن موسم الجفاف بدأ وقد يمتد لعدة سنوات. وقال علام لـ “المحقق” إن أي خطأ سيزيد من توابع الجفاف وسوف نتأثر به كثيرا، مضيفا أن الأمر يتطلب الحظر، مشيرا إلى أن هناك متابعة مصرية دقيقة بالأقمار الصناعية وغيرها للمياه، لافتا إلى أنه مع عدم وجود تنظيم للمياه يمكن أن يحدث أشياء كثيرة، مثل الفيضانات التي حدثت في السودان مؤخرا، وتأثر مصر في بعض المناطق.

مؤامرة كاملة
وأضاف علام أن مصر تتعامل مع دولة “عدو” تأخذ أوامرها من إسرائيل، وقال إنه من الصعب التعامل مع إثيوبيا بطريقة مباشرة، وإن الأمر يتطلب أخذ الاحتياطات لإنقاذ النفس، مشيرا إلى أن الوسيلة الوحيدة الآن هي العسكرية، إلا أنه في الوقت نفسه أكد أنها غير مناسبة في الوقت الحالي، مشددا على أنها مؤامرة كاملة على مصر الدولة المركزية، وقال إن هذا عبث بالمنطقة وأقدارها وهذا لم يستطع أن يقوله وزير الري في تصريحه، وتابع أن الغرض هو هز الاستقرار المصري أو الضغوط على مصر من جميع الحدود للدخول معها في حرب مفتعلة، مبينا أن هذا ما يتم التخطيط له لخلق مشاكل أمنية تؤدي إلى اشتباكات مع مصر لإشغالها في مناطق كثيرة في القرن الأفريقي والسودان وليبيا والبحر الأحمر، وكذلك حرب المياه، مؤكدا في الوقت نفسه أن الأمن القومي المصري مهم وأن كل شيء وارد لحماية أمن مصر، ورأى أن الحل الراهن يمكن أن يكون في ترشيد المياه وإعادة استخدامها، وأن هذا ما تفعله مصر بالفعل.

منطقة رمادية
ويبقى أنه في هذه المنطقة الرمادية بين واقع فرضته السنوات، وموقف مصري يرفض اعتبار مرور الوقت قبولا به، يأتي تصريح الوزير المصري ليعيد فتح واحدة من أكثر قضايا مياه النيل حساسية، واضعا الخلاف أمام سؤال يتجاوز السد ذاته إلى قواعد إدارة نهر تتقاسمه ثلاث دول، ومستقبل علاقة مائية ستستمر لعقود بعد اكتمال بنائه.

Exit mobile version