تقارير

 زيارة البرهان إلى الدوحة: دبلوماسية في قلب الحرب ورسائل سيادية متعددة الاتجاهات

الاحداث / الدوحة

في لحظة مفصلية من تاريخ الأزمة السودانية، أجرى رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان زيارة رسمية إلى دولة قطر، التقى خلالها سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في الديوان الأميري بالدوحة، حيث بحث الجانبان سبل دعم استقرار السودان ووحدته وسيادته، في زيارة تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز طابعها البروتوكولي.

الزيارة تأتي بينما يخوض السودان واحدة من أعقد مراحل الصراع منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وسط تحولات ميدانية متسارعة، وضغوط إقليمية ودولية متزايدة حول مسار الأزمة.

المباحثات الرسمية: دعم الاستقرار ووحدة السودان

بحسب بيان رسمي صادر عن الديوان الأميري القطري، فإن لقاء الأمير تميم والبرهان تناول:

•العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين

•سبل دعمها وتطويرها في مختلف المجالات

•تطورات الأوضاع في السودان

•الجهود الدولية لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام

•التأكيد على احترام سيادة السودان على كامل أراضيه

•تبادل وجهات النظر حول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك

ويكتسب هذا البيان أهميته من كونه يحمل موقفًا قطريًا واضحًا يؤكد على وحدة السودان وسيادته، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من مشاريع تفتيت الدولة عبر دعم المليشيات المسلحة أو فرض مسارات سياسية خارج إرادة الشعب السوداني.

زيارة في توقيت بالغ الحساسية

لم تأتِ زيارة البرهان للدوحة في فراغ سياسي أو ميداني. بل جاءت في سياق متشابك من التطورات:

•تمكن الجيش السوداني خلال الساعات الماضية من فك الحصار عن مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، بعد معارك ضارية مع قوات الدعم السريع.

•استمرار الاشتباكات العنيفة في ولايات كردفان الثلاث.

•تصاعد القتال في إقليم دارفور وما نتج عنه من موجات نزوح واسعة.

•تأكيد البرهان مؤخرًا أن الدولة السودانية ماضية في إنهاء ما وصفه بالتمرد المسلح وعدم القبول بأي تسوية تشرعن وجود المليشيات.

هذا التزامن يجعل من الزيارة خطوة دبلوماسية محسوبة، تهدف إلى نقل المعركة من الميدان العسكري فقط إلى ساحة المعركة السياسية والدبلوماسية.

لماذا قطر؟ قراءة في اختيار الوجهة

اختيار الدوحة كمحطة دبلوماسية يحمل دلالات عميقة:

1. قطر كطرف غير متورط في الحرب

على عكس بعض القوى الإقليمية المتهمة بدعم أطراف مسلحة داخل السودان، حافظت قطر على مسافة واضحة من التدخلات العسكرية، واحتفظت بدورها كداعم إنساني وسياسي للدولة السودانية.

2. الثقل الدبلوماسي القطري

الدوحة تمتلك نفوذًا واسعًا في:

•المنظمات الدولية

•الوساطات الإقليمية

•الملفات الإنسانية

•شبكات التأثير السياسي العالمي

وهو ما يجعل دعمها السياسي مهمًا للخرطوم في معركتها لاستعادة صورتها الدولية.

3. البحث عن حلفاء موثوقين

البرهان يبدو أنه يعيد ترتيب شبكة علاقات السودان الخارجية، مبتعدًا عن الشركاء الذين تضررت مصداقيتهم لدى الشارع السوداني، ومتجهًا نحو دول يُنظر إليها باعتبارها أكثر احترامًا لسيادة السودان.

ما وراء البيان: الملفات المرجح أنها نوقشت

رغم أن البيانات الرسمية التزمت اللغة الدبلوماسية التقليدية، إلا أن السياق السياسي يرجح أن اللقاء تناول ملفات أعمق، منها:

•مستقبل العملية السياسية في السودان

•رفض أي تسوية تفرض شرعنة للمليشيات المسلحة

•الدور الإنساني القطري في دعم النازحين

•الموقف من الضغوط الدولية المتعلقة بالهدنة

•دعم السودان داخل المؤسسات الدولية

•التصدي لمحاولات تدويل الأزمة بما يمس السيادة الوطنية

رسائل الزيارة: إلى الداخل والخارج

إلى الداخل السوداني:

القيادة تتحرك سياسيًا وليس عسكريًا فقط

السودان ليس معزولًا

ما زال يملك حلفاء مؤثرين

إلى الخارج:

الخرطوم تعيد بناء تحالفاتها

تبحث عن شركاء يحترمون سيادتها

ترفض أي حلول مفروضة من الخارج

إلى القوى الإقليمية المتورطة في الصراع:

السودان يفتح مسارات بديلة

ويعيد التوازن في علاقاته

ولا يقبل الابتزاز السياسي

هل تمثل الزيارة تحولًا في مسار الأزمة؟

الزيارة لا تعني نهاية الحرب، لكنها تمثل:

•اختراقًا مهمًا في الجدار الدبلوماسي

•بداية إعادة تموضع سياسي خارجي

•محاولة لاستعادة زمام المبادرة من الخارج

•تعزيزًا للشرعية السياسية للدولة السودانية

وهي تشير إلى انتقال القيادة السودانية تدريجيًا من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة الفعل السياسي المنظم.

الخلاصة

زيارة البرهان إلى الدوحة ليست مجرد حدث بروتوكولي، بل هي:

خطوة سياسية مدروسة

رسالة سيادية واضحة

تحرك لإعادة بناء شبكة دعم خارجي نظيف

محاولة لاستعادة السودان لموقعه الطبيعي في الإقليم

وفي ظل استمرار الحرب وتعقيداتها، تبدو الدبلوماسية واحدة من ساحات الصراع الحاسمة التي بدأ السودان يتحرك فيها بثقة أكبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى