بمناسبة شهر رمضان المبارك، نقدم هذه السلسلة المختارة التى تتناول سيرة مختصرة لزعماء أفارقة مسلمون، لعبوا دوراً هاماً في تثبيت عرى الدين في الفترة الباكرة التي دخل فيها الإسلام في أفريقيا الغربية، ويرجع الفضل لهؤلاء البدريين في حفظ بيضة الدين، ونشره من بعد، ليعم كل القارة الافريقية.
وبالرغم من دورهم الحاسم في إعلاء راية الدين في القارة إلا أنهم ظلوا منسيين، وغابوا عن الذاكرة الجماعية الإسلامية الأفريقية، لا سيما فى بلادنا السودان.
صحيح أن أفريقيا عرفت الإسلام مبكراً، ورعته وحمته بكل إمكاناتها، يشهد على ذلك هجرة الصحابة الأولى إلى الحبشة، وهى هجرة يرى كثير من المؤرخين أنها كانت لبلاد السودان الحالي، وقد سمعت العلامة البروفسور عبد الله الطيب يتحدث بإسهاب ماتع ومقنع عن تلك الهجرة التي يرى أنها دارت فى النطاق الجغرافي للسودان الحالي. كما أن الإسلام قد دخل سلماً إلى بلاد النوبة وانداح فيها بعد إتفاقية البقط المعلومة، والتي مهدت الطريق لدخول الإسلام لبلاد السودان بجغرافيته الحالية. وهكذا فإن السودان قد عرف دين الاسلام باكراً، من الشرق أولاً ثم من بعد عن طريق الشمال قادماً من مصر، لكننا نرى أن الدفع الأكبر والموجة الأهم التى حملت الإسلام للسودان الحالي كانت هي الهجرات التي جاءت عن طريق السودان الغربى.
والشاهد على ذلك هو أننا إذا تتبعنا حركة الفتح الإسلامي للقارة نجد أنه بدأ من مصر ثم إنطلق الى المغرب العربى، وانتقل بعدها عبر الصحراء إلى موريتانيا ودول غرب أفريقيا، حيث نشأت ممالك عظمى مثل مملكة مالي الإسلامية ومملكة الصونغاي، ومنها تواصل الزحف الإسلامي الظافر عبر نيجيريا وتشاد، حتى وصل إلى الدولة السنارية، وسلطنة دارفور. جرى كل ذلك وفق تسلسل زماني ومكاني متسق بدأ من القرن العاشر الميلادي وحتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي. وقد عبر الباحث السنغالي وأستاذى المبجل الشيخ مالك إنجاي رحمه الله عن ذلك قائلا أن حركة الإسلام في أفريقيا بدأت من مكه مهبط الوحي ومنبت الرسالة المحمدية، ثم إنداحت حتى المغرب العربي شمالا، ثم توجهت مرة أخرى عبر الصحراء قاصدة مكة المكرمة، يدفعها شوق للمنهل حيث بدأت.
نتناول في هذه السلسلة سيرة خمسة زعماء كبار، كان لهم دور بالغ الأهمية في نشر الإسلام في أفريقيا، وتثبيت دعوته، وإنشاء دول إسلامية أصبحت منارات سامقة فى التاريخ البشري قاطبة، مثل مملكة مالي وصونغاي. نتناول بدءاً سيرة الزعيم الكبير وار جابي ملك مملكة التوكلور في شمال السنغال، وهى أول دولة إسلامية في غرب أفريقيا على الإطلاق. سخر الله تعالى هذا الملك الصالح الذى أسلم على يد التجار المسلمين القادمين من المغرب العربى عبر الصحراء الكبرى، بأن أقام أول دولة تعلن الإسلام دينا رسميا للدولة، وذلك في مطلع القرن الحادي عشر الميلادي. ورغم صغر مساحة هذه الدولة المسلمة إلا أنها استطاعت بالتعاون مع دولة المرابطين، من إسقاط أكبر وأقدم أمبراطورية وثنية هي أمبراطورية غانا، والتى فتح سقوطها المجال لقيام مملكة مالي الإسلامية ، وإن شئت أمبراطورية مالي الإسلامية.
ثم نتناول سيرة داعية جاء من المغرب العربي، إلى تخوم السنغال وموريتانيا الحاليتين، بغية أحياء جذوة الدين التي خمدت في نفوس البدو بسبب تمدد أمبراطورية غانا الوثنية وسيطرتها المطلقة على معابر التجارة عبر الصحراء. إنه الداعية والمصلح عبد الله بن ياسين الأب الروحى والمؤسس لدولة المرابطين التى حكمت المغرب العربي وإتخذت من مراكش عاصمة لها، لكنها كانت وثيقة الصلة وكبيرة التأثير على حركة الاسلام في غرب أفريقيا.
يعرف الناس عن دور المرابطين في نشر الاسلام في الاندلس على يد أشهر ملوكهم يوسف بن تاشفين، لكنهم لا يعلمون الكثير عن دور المرابطين في إسقاط أمبراطورية غانا الوثنية، ولا عن دورهم في تمكين عرى الدين في غرب أفريقيا.
ثم نتناول سيرة ، زعيمين مهمين فى تاريخ مملكة مالي الإسلامية ، أعظم الممالك الاسلامية الأفريقية على الاطلاق، الأول هو الأب المؤسس لمملكة مالي الإسلامية في مطلع القرن الثالث عشر الميلادي، المجاهد الاكبر سوندجاتا كيتا، أو أسد مالي كما تسمية الاساطير الشعبية الكثيرة التي تتناول حياته العامرة. سوندجاتا كيتا جاء بعد فترة من سقوط أمبراطورية غانا، وهى فترة إزدهرت فيها الممالك الوثنية بالذات مملكة السوسو، ولذلك يعتبر شخصية محورية في تاريخ الاسلام في أفريقيا، لأنه استطاع أن ينهي السيطرة الوثنية تماما ويفتح المجال واسعا لإنتشار الاسلام في غرب ووسط أفريقيا حيث أصبح أكبر دين حتى اليوم.
حياة سوندجاتا كانت ملاحم من الجهاد المتواصل ، وقد وثقت غزواته الظافرة في أغاني شعبية كثيرة يقدمها المغنون الشعبيون، وهم يعزفون على أله أشبه بالربابة عندنا، كل يتناول حياة سوندجاتا من زاوية مختلفة، مما جعله أقرب للأسطورة، . وقد لاحظت ذلك بنفسى منذ أن سمعت أول ملحمة عنه، يشدو بها أحد القريو ـ الفنانين الشعبيين ـ وأنا أجلس في مقهى على ضفاف نهر النيجر في العاصمة باماكو فى خواتيم القرن الماضي.
نتناول في مملكة مالي أيضا سيرة الزعيم العظيم مانسا موسى، وهو ملك عمت شهرته الآفاق، لا سيما قصة الحج العظيم المتداولة كثيرا، لكننا سنسلط الضوء على جانب آخر من حياة مانسا موسى، بإعتباره الملك البناء، فهو الذي بنى مملكة مالي ونشر العلم وطور التجارة، وجعل من مالي جوهرة إشعاع علمي وثقافي واقتصادي، ينبثق من قلب الصحراء ليضئ العالم كله.
وأخيراً نختم هذه السير العامرة بالحديث عن أحد قادة حركات الإحياء الاسلامى في القرن التاسع عشر، وهو المجاهد إلمامي توري فى فوتا جالون، فى جمهورية غينيا الحالية. وقد أخترت هذا المجاهد الكبير لأن الرأي العام عندنا لا يعرف عنه كثيرا رغم دوره الكبير في نشر الإسلام ومقاومة طلائع الاستعمار الغربي. فعندما نتحدث عن قادة حركات الأحياء الإسلامي فإن الذهن ينصرف مباشرة إلى قادة عظام في تلك الفترة من أمثال محمد أحمد المهدي، وعثمان دانفوديو والحاج عمر الفوتي والسنوسي وغيرهم، ولكننا قل ما نذكر إلمامي توري.
أرجو أن تسهم هذه الحلقات الموجزة في تسليط مزيد من الضوء على هؤلاء الزعماء العظام المنسيون فى تاريخ أفريقيا الإسلامي، وأن تكون بعضاً من الوفاء لهؤلاء البدريين.