روبن هود.. عندما تصنع الأسطورة بطلاً

د. عبدالحليم موسى

ليست هذه مجرد مقارنة بين شخصيتين، بل بين قوتين تصنعان الذاكرة الإنسانية؛ قوة السرد التي تمنح بعض الشخصيات خلودا عالميا، وقوة الواقع التي قد تترك شخصيات حقيقية حبيسة الذاكرة الشعبية إذا لم تجد من يروي سيرتها، وبين هذين النموذجين تتجلى قدرة الإعلام الأمريكي على صناعة الأبطال، أو إبقائهم في ظلال النسيان، مهما كانت بطولاتهم الحقيقية. ليس كل بطل صنعه التاريخ، وليس كل من خلدته الذاكرة كان بطلا، فبين الحقيقة والأسطورة مساحة واسعة تنسجها الروايات، ويعيد تشكيلها الأدب، وتلونها السينما، ثم تتولى وسائل الإعلام ترسيخها في الوعي الجمعي حتى تصبح، مع مرور الزمن، أقوى من الوقائع نفسها.

هذه هي قصة روبن هود؛ الشخصية التي خرجت من الحكايات الشعبية الإنجليزية لتصبح واحدة من أشهر الرموز العالمية في مقاومة الظلم، فقد انتقلت من الروايات إلى المسرح، ثم إلى الأفلام السينمائية، والمسلسلات التلفزيونية، وأفلام الأطفال، والألعاب الإلكترونية، حتى غدا اسمه مرادفا للفارس النبيل الذي يسلب الأغنياء ليمنح الفقراء، وأصبحت صورته حاضرة في الوجدان الإنساني أكثر من أي حقيقة تاريخية تتعلق به.

فالمؤرخون لا يجمعون على وجود روبن هود كشخصية تاريخية محددة، فالروايات الأولى لم تقدمه بطلا للفقراء، بل وصفته خارجا على القانون يمارس السلب والنهب، قبل أن تعيد الأعمال الأدبية والسينمائية صياغة شخصيته في هيئة فارس يقاوم الظلم ويعيد توزيع الثروة، وهكذا انتصرت الأسطورة على التاريخ، وغلب الخيال الحقيقة.

ولعل المفارقة أنّ العالم لم يعرف روبن هود من كتب التاريخ، بل عرفه من الرواية والسينما اللتين منحتاه هالة من البطولة، حتى أصبح رمزا عالميا للخير، رغم أنّ حقيقته التاريخية ما تزال محل خلاف بين الباحثين، وهنا تتجلى قوة الإعلام والثقافة في إعادة تشكيل الشخصيات؛ إذ قد تتحول شخصية غامضة إلى رمز إنساني خالد إذا وجدت من يروي حكايتها ويعيد إنتاجها جيلا بعد جيل.

وفي المقابل، يزخر السودان بشخصيات لا تقل ثراء من الناحية الدرامية، وفي مقدمتها الطيب ود ضحوية، أحد أشهر الهمباتة في التراث السوداني، وعلى خلاف روبن هود، لم يولد ود ضحوية من رحم الأسطورة، بل من واقع اجتماعي عاشته البادية السودانية، وما تزال سيرته حاضرة في الذاكرة الشعبية، وتحفظها الأشعار، وتتناقلها المجالس، كما أنّ أسرته الممتدة ما تزال معروفة حتى اليوم، وهو ما يمنح شخصيته بعدا تاريخيا واجتماعيا واضحا.

ارتبط اسم ود ضحوية بالشجاعة والفروسية وسرعة البديهة والكرم، وتروي الروايات الشعبية أنه كان يغير على إبل الأثرياء، ثم يذبح منها، ويكرم الضيوف ويعين المحتاجين حتى أصبح في المخيلة الشعبية رمزا للنخوة والنجدة، ولهذا احتفى به الشعراء، وخلدوا مواقفه في قصائد أصبحت جزءا أصيلا من التراث الشفهي السوداني، الذي حفظ سيرته أكثر مما حفظتها الكتب.

غير أن الاحتفاء الشعبي مهما بلغ لا يغير الطبيعة القانونية أو الأخلاقية للأفعال، فالذاكرة قد تمنح الإنسان مكانة رمزية، لكنها لا تعفي الباحث من قراءة الشخصية في سياقها التاريخي والاجتماعي، بعيدا عن التمجيد أو الإدانة المطلقة.

ولعل المفارقة الأبرز أنّ روبن هود، الذي ما زالت حقيقته التاريخية موضع جدل، أصبح بطلا عالميا بفضل الرواية والسينما والإعلام، بينما بقي الطيب ود ضحوية، رغم حضوره الحقيقي في الذاكرة السودانية، أسير حدود الجغرافيا السودانية، وليس السبب أنّ قصته أقل إثارة، بل لأنه لم يجد من يحولها إلى أعمال روائية وسينمائية تخاطب العالم.

وهنا يكتسب قول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو دلالته العميقة حين يرى أنّ الحقيقة في الوعي الجمعي لا تصنعها الوقائع وحدها، بل يصنعها أيضا الخطاب الذي يعيد سردها باستمرار، فالصورة التي يكررها الأدب والسينما والإعلام تتحول، مع الزمن، إلى حقيقة راسخة في أذهان الناس، مهما كانت الوقائع أكثر تعقيدا؛ ومن هذه الزاوية، لا تبدو المقارنة بين روبن هود والطيب ود ضحوية مقارنة بين شخصيتين، بقدر ما هي مقارنة بين ثقافتين؛ إحداهما امتلكت أدوات السرد والإنتاج الفني، فحولت شخصية محلية إلى رمز عالمي، والأخرى احتفظت بإحدى شخصياتها في حدود الذاكرة الشعبية، رغم ما تحمله من أبعاد إنسانية وثقافية ثرية، ولو أعيد تقديم سيرة ود ضحوية في عمل سينمائي رصين، يستند إلى البحث التاريخي، ويقرأ الشخصية في سياقها الاجتماعي، بعيدا عن التمجيد أو التشويه، لأمكن أن تتحول إلى إحدى أدوات

القوة الناعمة السودانية، فالفيلم الجاد لا يصنع بطلا مثاليا، وإنما يقدم حكاية مجتمع، ويكشف منظومة قيم، ويعرف العالم بثقافة أمة وتاريخها.

إنّ الدعوة إلى إنتاج فيلم عن الطيب ود ضحوية ليست دعوة إلى تمجيد الخروج على القانون، وإنما دعوة إلى استثمار التراث السوداني في أعمال فنية راقية، تقدم الشخصية بكل ما فيها من جوانب إنسانية وتاريخية، وتفتح نافذة يطل منها العالم على السودان، كما فعلت دول كثيرة حولت شخصياتها الجدلية إلى أعمال خالدة أسهمت في التعريف بثقافتها وتعزيز حضورها العالمي.

فالتاريخ يسجل ما حدث، أما السينما فتختار ما يبقى، وبينهما تولد الأساطير التي تصنع ذاكرة الشعوب، وربما لم يكن روبن هود أعظم من الطيب ود ضحوية، لكنه وجد من يروي حكايته للعالم، بينما ما زال السودان ينتظر من يروي حكاياته بلغة الصورة، لتصبح جزءا من الذاكرة الإنسانية، وها قد بدأت رسم الخطوط الأولى لهذه الشخصية، فمن يكمل الصورة؟

Exit mobile version