رأي

رصاصة باسم القانون..حين يُقتل السؤال قبل الجسد

تأملات اخلاقية وإنسانية في مقتل “رِينِيه نِيكُول قُوود” الأمريكية برصاص قوات الهجرة في منيابوليس بولاية منسوتا

عبدالعزيز يعقوب – فلادليفيا
‏ayagoub@gmail.com
٩ يناير ٢٠٢٦

لم يكن الصباح مسرحًا لحدثٍ استثنائي، بل كان عاديًا على نحوٍ مخيف.
بردٌ شتوي ثلج خفيف، ضوء رمادي يتسلل على استحياء، ومدينة تمارس إيقاعها اليومي بلا نبوءة. في مثل هذه اللحظات لا يتوقع الإنسان أن يُختصر العمر في ثانية، ولا أن تتحول السيارة—ذلك الحيز الشخصي الصغير—إلى مسرح تتقاطع فيه السلطة والموت.

داخل تلك السيارة، جلست رينيه نيكول قوود. امرأة لا تحمل سوى حياتها اليومية أمومة موزعة بين ثلاثة أطفال، دراسة في الكتابة الإبداعية، قصائد غير منشورة، جيتار يعرف صوتها أكثر مما يعرفها العالم، ومهن متعددة علّمتها—كما تعلّم أغلب البشر—الانحناء أمام الحاجة دون انكسار. لم تكن مطلوبة، ولا مطاردة، ولا متهمة. كانت مواطنة تعيش داخل افتراض أخلاقي راسخ، أن الدولة، مهما اشتدّت، تقف في صف الحياة.
لكن الافتراض، كما يتبين دائمًا، هشّ.
حضر رجال السلطة.
ملابس رسمية، أسلحة جاهزة، توتر يسبق الكلمات. أوامر تتقاطع، أصوات ترتفع، والزمن يضيق. تتحرك السيارة—حركة صغيرة، ربما لا تتجاوز ارتباك اللحظة أو غريزة النجاة—وفي اللحظة التي كان ينبغي فيها أن يُطرح السؤال، انطلقت الرصاصة.

قالت الرواية الرسمية إن الضابط شعر بتهديد مباشر. والتهديد كلمة واسعة، قادرة على ابتلاع التفاصيل، تمنح الخوف شرعية فورية، وتغلق باب التأمل. لكنها لا تشرح ما حدث، ولا تُعيد الحياة، ولا تُقنع الضمير.

ما تكشف لاحقًا لم يكن بطولة ولا مؤامرة، بل هشاشة إنسانية عارية.
خوف في قلب امرأة لم تفهم ما يُطلب منها، وخوف مقابل في وعي رجل مُفوَّض باستخدام القوة. وبين خوفين متقابلين، لم تنتصر الحكمة.

هنا، يتوقف السرد الأمني، ويبدأ السؤال الفلسفي.

الدولة تحتكر استخدام العنف، نعم.
لكن هذا الاحتكار ليس جوهر السلطة، بل امتحانها الدائم. فالعنف ليس دليل قوة، بل علامة خطر حين لا يُضبط بالعقل. الدولة لا تُقاس بقدرتها على إطلاق النار، بل بقدرتها على الامتناع عنها حين يكون الامتناع ممكنًا.

الشارع ليس ساحة حرب.
ولا ينبغي أن يُدار بمنطق الجبهات. ففي الفضاء المدني، كل رصاصة تُطلق لا تقتل جسدًا فحسب، بل تصيب الثقة الصامتة التي يقوم عليها المجتمع. تلك الثقة غير المكتوبة، التي تجعل المواطن يفترض—دون تفكير واعٍ—أن القانون سياج أمان، لا مصدر تهديد.

السؤال، إذن، لا ينحصر في شخص الضابط أو في خطئه المحتمل، بل يتجاوز ذلك إلى بنية أعمق، لماذا أصبح الخطأ ممكنًا إلى هذا الحد؟
لماذا صار الخوف الفردي أسرع من التقدير المؤسسي؟
وأين يقف القانون حين يتحول من إطار ضابط للقوة إلى ممر سريع لاستخدامها؟

المفارقة أن الحادثة كشفت أيضًا تصدّعًا داخل الدولة نفسها. سلطات محلية تطالب بالشفافية والمساءلة، وسلطات فدرالية تتمسك بإجراءاتها وروايتها الأمنية. لم يكن الخلاف إداريًا فحسب، بل صراعًا على المعنى، من يملك تفسير الدم حين يُراق باسم الدولة؟ ومن يملك حق السؤال؟

الرأي العام، بدوره، لم ينقسم سياسيًا فقط، بل وجوديًا. لأن ما حدث لا يخص الضحية وحدها، بل يمسّ افتراض الأمان ذاته. فإذا كانت هذه النهاية قد لحقت بمواطنة بلا سجل إجرامي، بلا مطاردة، بلا تهديد واضح، فأين يقف الحد الفاصل بين الحماية والخوف؟ وماذا يعني الأمان حين تصبح القوة المميتة خيارًا سريعًا في مواجهة الارتباك الإنساني؟

الإعلام وقف أمام اختبار لا يقل صعوبة.
بين الاكتفاء بإعادة إنتاج البيانات الرسمية، أو الغوص في التفاصيل، وإعادة عرض التسجيلات، وطرح الأسئلة غير المريحة مثل لماذا لم تُمنح لحظة إضافية؟ لماذا لم تُستخدم وسائل أقل فتكًا؟ ولماذا كان الزمن، في يد السلطة، قصيرًا إلى هذا الحد؟

قضية رينيه نيكول قوود ليست حادثة معزولة، بل مرآة أخلاقية.
مرآة لا تسعى إلى تقويض الدولة، بل إلى مساءلتها كي لا تفقد معناها. فالسلطة التي لا تعيد النظر في علاقتها بالعنف، تخاطر بأن تتحول—تدريجيًا—من حامية للنظام إلى مصدر للقلق.

الرصاصة التي أنهت حياتها لم تُغلق ملفًا، بل فتحته على أسئلة أثقل من التحقيق وأعمق من الحكم، هل نملك القوة فقط، أم نملك الحكمة التي تجعلنا نستحقها؟
وهل سيظل القانون سياجًا يضبط العنف، أم يتحول—إن غابت الحكمة—إلى ذريعة لتجاوزه؟

في النهاية، تبقى حقيقة واحدة لا لبس فيها،
احتكار الدولة للعنف ضرورة تنظيمية، لكنه لا يكون مشروعًا إلا إذا اقترن بالعقل، وتقيّد بالإنسانية، وخضع لرقابة أخلاقية صارمة لا تقل شأنًا عن القانون نفسه.
وحين يختل هذا التوازن، لا يكون الثمن سياسيًا فحسب، بل إنسانيًا…
يُدفع في صمتٍ بارد،
يشبه صمت الثلج،
لكن ألمه لا يذوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى