رجل الأعمال معاوية البرير في حوار مع “إيلاف”: 1-2

الحرب قلبت الاستقرار الظاهري إلى أزمة وجودية للقطاع الخاص

هناك حاجة ملحة لمواءمة الرؤية الحكومية مع الخبرة التنفيذية للقطاع الخاص

آلية مشتركة تضم القطاع الخاص وخبراء مع مجلس الوزراء لتكون منصة حقيقية لصنع القرار الاقتصادي

الخطوة المقبلة: ترتيبات لاجتماع موسع لتهيئة مرحلة تنفيذ الإصلاح الاقتصادي

إعادة الإعمار تبدأ بالسلام والشراكة.

حوار/ حفية – انتصار

حتى اللحظة الأخيرة قبل اندلاع الحرب، كان القطاع الخاص السوداني يعمل بشكل طبيعي، يدير المصانع والمزارع والمشاريع التجارية والخدمية وسط مناخ بدا ظاهرياً مستقراً، ما عزز ثقة المستثمرين ودفعهم لمواصلة نشاطهم، معتقدين أن التوترات السياسية لن تتجاوز حدودها التقليدية. لكن الحرب قلبت المعادلة بالكامل، وحوّل الاستقرار الظاهري إلى صدمة قاسية. في لحظات، وجد القطاع الخاص نفسه في قلب الصراع، متكبداً خسائر ضخمة في الأصول والإنتاج والموارد البشرية، ومواجهاً أزمة وجودية غير مسبوقة.

في حوار حصري مع “إيلاف”، كشف رجل الأعمال معاوية البرير، ورئيس الاتحاد العام لأصحاب العمل السوداني، تفاصيل الأزمة الاقتصادية الأكبر التي ضربت البلاد بعد اندلاع الحرب. واستعرض حجم الخسائر المالية والمادية التي تكبدها هذا القطاع الحيوي، ونرسم صورة واضحة للرؤية العامة لإعادة بناء الاقتصاد والخطوات العملية التي تم التنسيق بشأنها مع الحكومة.

وإلى الجزء الأول من الحوار:

إيلاف: هل كان القطاع الخاص يتوقع اندلاع الحرب، خاصة في ظل التوترات السياسية التي سبقت الأحداث؟

البرير: إطلاقاً، لم تكن هناك أي توقعات حقيقية بأن تصل الأوضاع إلى حرب شاملة بهذا المستوى من الدمار والاتساع. حتى في الأيام، بل والساعات، التي سبقت اندلاع القتال، كانت المصانع تعمل بصورة طبيعية، والمشاريع الزراعية تمضي في دوراتها الإنتاجية المعتادة، كما أن حركة التجارة والخدمات كانت تسير دون مؤشرات إنذار حادة.

المشهد العام آنذاك كان يوحي بأن مؤسسات الدولة والأجهزة النظامية تتعامل مع الوضع بصورة اعتيادية، وهو ما عزز قناعة المستثمرين بأن أي توتر سياسي لن يتجاوز كونه أحداثاً محدودة وقصيرة الأجل. لذلك واصل القطاع الخاص نشاطه بثقة واطمئنان، دون إعداد خطط طوارئ واسعة.

وعندما اندلعت الحرب، جاءت بمثابة صدمة كاملة. لم تكن هناك استعدادات أو سيناريوهات بديلة لدى معظم أصحاب الأعمال، لأن الفرضية السائدة كانت أن الأمور ستُحتوى سريعاً. ولهذا أُخليت المنازل والمصانع والمزارع على عجل، وترك الناس خلفهم معداتهم وبضائعهم وأصولهم، على أمل العودة بعد أيام أو أسابيع. لكن طول أمد القتال واتساع نطاقه حوّل تلك المغادرة المؤقتة إلى خسارة فعلية وممتدة، لم تكن في حسبان القطاع الخاص ولا المجتمع ككل.

ما حجم الخسائر التي تكبدها القطاع الخاص جراء الحرب؟

رغم عدم توفر حصر نهائي شامل حتى الآن، إلا أن المؤشرات العامة تؤكد أن الخسائر بلغت مستويات مليارية، وأن ما تضرر لم يكن منشآت هامشية، بل أصولاً إنتاجية كبرى تشكل ركائز أساسية للاقتصاد الوطني. فقد طال الضرر قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات، وهي القطاعات التي يعتمد عليها المواطن بشكل مباشر في معيشته اليومية.

ولتقريب الصورة بالأرقام، يمكن الإشارة إلى نموذج واحد فقط لمجموعة استثمارية كبرى: في ولاية سنار، تم فقدان محطة ري متكاملة تُقدّر قيمتها بنحو 25 مليون دولار، وكانت تخدم مشاريع زراعية واسعة. وفي مشروع سوبا الزراعي، بلغت الخسائر قرابة 15 مليون دولار، شملت بنية تحتية وتجهيزات لمساحة تقارب 1200 فدان موز كانت جاهزة للإنتاج. أما في القطاع الصناعي، فقد فُقدت أربعة مصانع كاملة بخطوط إنتاجها ومعداتها، إضافة إلى كميات كبيرة من المواد الخام المخزنة.

وإذا أُضيفت بقية الخسائر داخل المجموعة نفسها، فإن إجمالي الفاقد يتجاوز 87 مليون دولار إضافية في أصول ومشروعات أخرى متضررة، ليصل مجموع الخسائر الكلية لهذه المجموعة وحدها إلى نحو 127 مليون دولار.

هذه الأرقام، رغم ضخامتها، تمثل مؤسسة واحدة فقط، ما يعني أن الخسائر على مستوى البلاد أضعاف ذلك عند احتساب بقية الشركات في مختلف القطاعات. ولا تقتصر الآثار على فقدان الأصول، بل تمتد إلى فقدان مئات آلاف من  الوظائف، وتعطل سلاسل الإمداد، وتراجع الإنتاج الغذائي والصناعي، إلى جانب استمرار الالتزامات المالية والديون المصرفية والخارجية على أصحاب الأعمال، رغم توقف مصادر دخلهم. لذلك يمكن القول إن القطاع الخاص يواجه واحدة من أعنف الأزمات في تاريخه، وأن التعافي منها سيتطلب سنوات من الاستقرار والدعم وإعادة البناء المنظم.

كيف تقيّمون مسار التواصل مع الحكومة خلال الفترة الماضية، وما الذي تم الاتفاق عليه بشأن مستقبل الاقتصاد؟

-خلال الفترة الماضية، عقدنا عدداً من الاجتماعات مع رئيس الوزراء، ووجدناه متفائلاً بإمكانية تحقيق السلام والانطلاق نحو نهضة اقتصادية حقيقية، كما لمسنا لديه رؤية واضحة لمعالجة الوضع الاقتصادي وإعادة ترتيب الأولويات.

غير أننا أكدنا بوضوح أن أي رؤية، مهما بلغت درجة تكاملها، لن تنجح على أرض الواقع ما لم يُشرك القطاع الخاص بصورة فاعلة في صياغتها وتنفيذها. فالقطاع الخاص هو الجهة التي تعمل ميدانياً، وتمتلك الخبرة العملية بطبيعة الاقتصاد، والتحديات الحقيقية، وآليات التنفيذ.

وبناءً على ذلك، تم الاتفاق على إنشاء آلية مشتركة تضم ممثلين عن أصحاب العمل إلى جانب و عدد من الاقتصاديين والخبراء، بهدف مواءمة الرؤية الحكومية مع الخبرة التنفيذية للقطاع الخاص. ويجري حالياً الترتيب لعقد اجتماع موسع بعد شهر رمضان، بمشاركة الوزراء المعنيين وممثلي القطاع الخاص، على أن يستمر لعدة أيام، لمناقشة التفاصيل الفنية بعمق، والوصول إلى تصور متفق عليه يمهّد للانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.

كما تم عقد العديد من الاجتماعات مع السادة الوزراء ومدراء الهيئات الحكومية.

ما هي الرؤية العامة لإعادة بناء الاقتصاد السوداني بعد الحرب؟

-الرؤية العامة لإعادة بناء الاقتصاد موجودة وواضحة، وتشمل القطاعات ذات الأولوية مثل الزراعة والصناعة والخدمات. هناك تصورات عملية لكيفية استعادة النشاط الإنتاجي وخلق فرص عمل واسعة ومنتجة. ومع ذلك، التحدي الأساسي لا يكمن في غياب الرؤية، بل في ملف التمويل، إذ أن إعادة الإعمار عملية ضخمة لا يمكن أن تبدأ إلا بعد توقف الحرب وترسيخ السلام، لأن التمويل الدولي والإقليمي مرتبط بالاستقرار السياسي والأمني.

كيف ينظر السودان إلى التمويل المطلوب لإعادة الإعمار؟

-السودان وحده لن يستطيع تحمل كلفة إعادة الإعمار، لذلك يُعوّل على دعم الأشقاء في السعودية وقطر ودول الخليج، إلى جانب الشركاء الدوليين. الحديث لا يقتصر على مساعدات محدودة، بل يشمل شراكات وتمويل طويل المدى لإعادة بناء القاعدة الاقتصادية بشكل مستدام.

هل إعادة الإعمار تعني نفس الشيء الذي يحدث حالياً في بعض المدن؟

-لا، هناك فرق مهم بين إعادة الإعمار وتهيئة المدن لعودة المواطنين وهذا تم بلجنة  برئاسة الفريق ابراهيم جابر عضوية اتحاد أصحاب العمل ولقد قامت اللجنة بعمل ضخم وعظيم ومازالت تواصل. إعادة الإعمار تعني تنفيذ مشروعات كبرى مثل بناء مدن جديدة، وتأهيل المستشفيات، وإعادة هيكلة الاقتصاد، وخلق فرص عمل واسعة ومنتجة. أما ما يجري حالياً فهو تهيئة أولية تشمل إزالة آثار الدمار، وتنظيف المناطق، وإعادة الخدمات الأساسية، وهي خطوات مهمة لكنها لا تمثل إعادة إعمار بالمعنى الاقتصادي الشامل.

كيف تم التنسيق مع الحكومة والقطاع الخاص بشأن تنفيذ الرؤية الاقتصادية؟

-عُقدت سلسلة اجتماعات مع رئيس الوزراء الذي أبدى تفاؤلاً بتحقيق السلام كما ذكرت والانطلاق نحو نهضة اقتصادية كبيرة، مع وجود رؤية واضحة للمرحلة المقبلة. وتم التأكيد على أن أي خطة حكومية لن تنجح دون تفعيل دور القطاع الخاص بشكل حقيقي وقيادي، لأنه المحرك الأساسي للإنتاج والاستثمار والتشغيل، وليس جهة مساندة على الهامش.

ما دور اتحاد أصحاب العمل في هذه المرحلة؟

-اتحاد أصحاب العمل، بصفته الممثل التنظيمي للقطاع الخاص، يجب أن يكون شريكاً أصيلاً في صياغة وتنفيذ السياسات الاقتصادية. الخبرة العملية موجودة لدى المنتجين والمستثمرين على الأرض، وليس فقط في المكاتب، والرؤى النظرية وحدها لا تبني اقتصاداً. لذلك تم الاتفاق على تكوين آلية مشتركة تضم القطاع الخاص وخبراء اقتصاديين لتكون منصة حقيقية لصنع القرار الاقتصادي.

ما الخطوة المقبلة لتنفيذ هذه الرؤية؟

-يُجرى حالياً الترتيب لعقد اجتماع موسع بعد شهر رمضان يضم الوزراء المعنيين والقطاع الخاص، ويمتد لعدة أيام بهدف الخروج بتصور موحد وملزم يمهد لبدء التنفيذ الفعلي. المرحلة القادمة تتطلب شراكة حقيقية في القرار والمسؤولية، لأن النهضة الاقتصادية لن تُفرض من أعلى، بل تُبنى بالشراكة مع من يديرون عجلة الاقتصاد على أرض الواقع.

Exit mobile version