راتب آمنة ميرغني.. صيت أم غنى؟

الصادق البديري

أثار الكشف عن راتب محافظ بنك السودان المركزي آمنة ميرغني، البالغ 44 مليون جنيه شهرياً، موجة من الجدل، لكن المقارنة مع نظرائها في دول تعيش ظروفاً مشابهة تكشف أن الراتب لا يتجاوز 7 آلاف دولار، أي أقل بكثير من المعدلات العالمية لمثل هذا المنصب الرفيع.

أثارت معلومات نشرها صحفي حول راتب ومخصصات محافظ بنك السودان المركزي آمنة ميرغني جدلاً واسعاً في الأوساط السودانية. لكن قراءة متأنية للأرقام، ومقارنتها بما يتقاضاه نظراؤها في دول تعاني ظروفاً مشابهة، تضع الأمور في سياقها الصحيح وتكشف أن ما تُتهم به المحافظ لا يتجاوز المعايير المهنية لمثل هذا المنصب الحيوي.

تشير المعلومات المتداولة إلى أن راتب آمنة ميرغني الشهري يبلغ 44 مليون جنيه سوداني، إضافة إلى بدلات وحوافز ترفع الدخل السنوي إلى ما يتجاوز 2.2 تريليون جنيه. لكن التحويل إلى العملة الصعبة يكشف أن هذا الراتب مبلغ متواضع مقارنة بما يتقاضاه محافظو البنوك المركزية في دول أخرى.

ففي اليمن، التي تعاني حرباً وأزمة إنسانية مشابهة للسودان، بلغ راتب محافظ البنك المركزي اليمني السابق 45 ألف دولار شهرياً، أي أكثر من 6 أضعاف راتب ميرغني، وفي ليبيا، التي تشهد صراعاً سياسياً وأزمة اقتصادية، يصل مرتب محافظ مصرف ليبيا المركزي إلى 57 ألف دينار ليبي (نحو 12 ألف دولار) شهرياً، أي ما يقارب ضعف راتب المحافظ السودانية.

وحتى في الدول الأفريقية ذات الدخل المتوسط الأدنى، يبلغ متوسط الأجر السنوي لمحافظي البنوك المركزية نحو 88 ألف دولار سنوياً، أي ما يعادل 7,333 دولاراً شهرياً، وهو رقم قريب جداً مما تتقاضاه ميرغني. أما في البنك المركزي الأوروبي، فيتجاوز الراتب السنوي للمحافظ 741 ألف يورو، أي ما يعادل أكثر من 60 ألف يورو شهرياً.

وتتمتع آمنة ميرغني بخبرة مصرفية ومالية واسعة تؤهلها لتولي هذا المنصب الرفيع. فهي حاصلة على ماجستير في المحاسبة والتمويل من جامعة الجزيرة، وبكالوريوس في إدارة الأعمال من جامعة الخرطوم، وتلقت تدريبات متخصصة من مؤسسات دولية رائدة مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا، وشغلت مناصب تنفيذية بارزة في بنك السودان المركزي، منها مدير عام الأسواق المالية ومدير عام مجموعة تنمية الصادرات.

وتجدر الإشارة إلى أن ما وصفته بعض التقارير بأنه “مخصصات” يتضمن بدلات إجازة سنوية وأعياد وملابس وعلاج، وهي امتيازات معتادة للمناصب القيادية العليا في العديد من دول العالم.

كما أن إيجار المنزل البالغ 50 مليون جنيه شهرياً لا يتجاوز في قيمته الحقيقية بضعة آلاف من الدولارات، وهو مبلغ متواضع مقارنة بتكاليف السكن المماثلة للمسؤولين في دول أخرى.

إن الهجوم على آمنة ميرغني وتحميلها مسؤولية تدهور قيمة الجنيه السوداني يتجاهل حقيقة أن الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 هي السبب الرئيس وراء انهيار الاقتصاد السوداني، وليس سياسات محافظ البنك المركزي.

فالحرب دمرت البنية التحتية، وأوقفت الإنتاج، ودفعت الملايين إلى النزوح، وتسببت في انكماش الناتج المحلي بنحو 40%، وفق تقديرات البنك الدولي. وفي ظل هذه الظروف القاسية، يبقى راتب المحافظ، الذي لا يتجاوز 7 آلاف دولار شهرياً، أقل بكثير من المعايير الدولية لمثل هذا المنصب، بل وأقل مما يتقاضاه نظراؤها في دول تعاني أوضاعاً مشابهة.

Exit mobile version