ذهب الشمالية: من الثروة الباطنية إلى التنمية المستدامة
Mazin
طارق الكندي يوسف
تمتلك الولاية الشمالية ثروة معدنية كبيرة، يأتي الذهب في مقدمتها، وهي ثروة يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية إذا أُحسن استثمارها وإدارتها . فالقيمة الحقيقية للذهب لا تكمن في استخراجه وبيعه فحسب ، وإنما في تحويل عوائده إلى أصول ومشروعات إنتاجية وخدمية مستدامة ، تعود بالنفع على الدولة والمجتمعات المحلية .
يشهد قطاع التعدين في الولاية توسعاً في أعمال الاستكشاف والإنتاج ، إلى جانب استمرار التعدين الأهلي ، الأمر الذي أسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ، وجعل من سوق الذهب بمدينة دنقلا أحد المراكز المهمة لهذا النشاط؛ غير أن اتساع القطاع يفرض ضرورة تنظيمه وضبطه ، من خلال تعزيز الرقابة على الإنتاج والشراء والتداول ، وتطوير عمليات الفحص والمعايرة ، وتنظيم الأسواق ، والحد من التهريب ، وتنسيق الجهود بين حكومة الولاية والجهات المختصة .
ويظل التعدين الأهلي فرصة اقتصادية مهمة، خاصة للشباب ، لكنه يحتاج إلى الانتقال من النشاط العشوائي إلى نشاط منظم وآمن ومنتج ، عبر حصر المعدنين ، وتنظيم مواقع العمل ، وتطوير الأسواق ، وتشجيع الجمعيات والتعاونيات التعدينية ، وتوفير التدريب والمعدات الحديثة ، وتعزيز معايير السلامة والصحة المهنية.
ومن هنا تبرز أهمية إنشاء وتطوير مراكز التدريب والخدمات التعدينية في محليات حلفا ودلقو ودنقلا والدبة ، بما يسهم في رفع كفاءة العاملين ، ونقل المعرفة والتقنيات الحديثة ، وخلق فرص عمل جديدة ، وتحسين إنتاجية القطاع .
لكن الذهب لا ينبغي أن يكون على حساب البيئة أو صحة الإنسان ، فحماية النيل والأراضي الزراعية ، خاصة الجزر والمناطق القريبة من مصادر المياه ، يجب أن تكون جزءاً أصيلاً من منظومة التعدين ، ويتطلب ذلك إدارة المخلفات بصورة آمنة ، والحد من استخدام المواد شديدة الخطورة ، والتوسع في التقنيات الأقل ضرراً ، مع إلزام الجهات العاملة بإعادة تأهيل المواقع المتأثرة بالنشاط التعديني .
والأهم من ذلك أن تتحول عوائد الذهب إلى قاعدة لاقتصاد أكثر تنوعاً ، فالولاية الشمالية تمتلك إمكانات زراعية وحيوانية كبيرة ، ويمكن توجيه جزء من عوائد التعدين إلى تطوير نظم الري ، وحفر الآبار ، والميكنة الزراعية ، وتوفير المدخلات والطاقة ، وتحسين السلالات والأعلاف ، وإنشاء الصناعات التحويلية المرتبطة بالزراعة والثروة الحيوانية .
هنا تحديداً تتجلى الفكرة الأساسية فالذهب ثروة ناضبة ، أما المشروعات الإنتاجية فهي ثروة يمكن أن تتجدد وتستمر .
كما يمكن للمسؤولية المجتمعية للشركات العاملة في التعدين أن تتحول من مبادرات متفرقة إلى شراكة حقيقية في التنمية المحلية ، من خلال دعم مشروعات الطرق والمياه والكهرباء والتعليم والصحة ، وتمويل مشروعات الشباب ، وفق أولويات واضحة يتم تحديدها بالتنسيق مع حكومة الولاية والمجتمعات المحلية .
إن مستقبل الذهب في الولاية الشمالية لا ينبغي أن يُقاس بحجم ما يُستخرج من باطن الأرض فقط ، وإنما بحجم ما يتحول من هذا الذهب إلى زراعة منتجة ، وصناعة قائمة ، وفرص عمل ، وخدمات أفضل ، وبنية تحتية ، وبيئة آمنة ، ومجتمعات أكثر قدرة على بناء مستقبلها ، فالرهان الحقيقي ليس على الذهب وحده ، وإنما على ماذا سنفعل بالذهب .
وعندما يصبح التعدين منظماً ، والبيئة محمية ، والشباب مؤهلين ، والعوائد موجهة نحو الإنتاج والخدمات ، يمكن للذهب أن يتحول من مجرد ثروة تستخرج من باطن الأرض إلى جسر يصل بين ثروات الولاية ومستقبل الإنسان فيها ، وقاطرة حقيقية للتنمية المستدامة في الولاية الشمالية .