د.هاشم عبدالسلام يكتب: (ما أجملك) صفاء إنساني وتصوف جمال
Mazin
ما اجملك تلك القصيدة التى اجملت وجمعت اجملهما ابداعا وفنا الدكتور الموسيقار محمد الامين والشاعر الفذ بدوى بانقا
تتهادى ويتاوه القلب ولكن للموسيقى سحرٌ خاص وقوة جذبٍ لا تُقاوَم؛ فهي الفنّ الأقدر على النفاذ إلى العمق الداخلي للإنسان، حيث تشعل الوجدان، وتوقظ المشاعر، وتحرّك الطبقات الخفيّة في النفس. بها يهفو القلب إلى الماضي، وتنهض الذكريات من مكامنها، وينساق الحنين في مسارٍ لا تحكمه إلا العاطفة الخالصة، لتغدو الموسيقى فعلَ ذاكرةٍ ووعيٍ معًا.
وفي هذا الأفق الجمالي يتجلّى الدكتور العبقري، الموسيقار الفنان محمد الأمين، في ثنائيته الرفيعة مع الشاعر الكبير بدوي بانقا، ابن مدينة ود مدني، في أغنية «ما أجملك»؛ ذلك العمل الذي مثّل تلاقيًا نادرًا بين نصٍّ شعري مشبع بالإنسانية، ولحنٍ موسيقي واعٍ بذاته وبأدواته التعبيرية، في لحظة إبداعية صاغها المكان والزمان والصفاء الداخلي.
يبلغ النص ذروة تكثيفه الدلالي في البيت المحوري:
«ما أجملك إنسان، وفي صورة ملاك… ما أجملك».
وهو بيت لا يقوم على المبالغة البلاغية، بل يؤسس لرؤية فلسفية ترى الإنسان في أنقى تجلياته، حيث يتماهى البشري بالملائكي، لا هروبًا من الواقع، بل سموًا به. فالملائكية هنا ليست نفيًا للإنسان، بل اكتمالًا لقيمه حين يتحرر من الخشونة والابتذال.
ويمضي بدوي بانقا في تعميق هذه الرؤية عبر صور شعرية متدفقة، يقول فيها:
«تتهادى في الروض يا وسيم
ومع النسيم ميل وانقسم
تسمع كلامي وتبتسم
يا الوجنتيك زادن حلاة
وانت ما أروعك وما أجملك».
فالـ«تهادي» ليس حركة جسدية فحسب، بل دلالة على سكينة داخلية وانسجام مع الوجود. والروض هنا رمزٌ لصفاء العالم حين يُرى بعين الجمال، فيما يأتي النسيم ليؤكد خفة الكائن الإنساني وقدرته على التماهي مع الطبيعة دون صخب أو ادّعاء. أما الميل والانقسام، فهما قابلية للتفاعل، ومرونة روحية، لا ضعفًا ولا تشتتًا.
وفي الابتسامة التي تلي الإصغاء، يبلغ التواصل الإنساني ذروته؛ إذ تصبح الابتسامة لغةً مكتملة، تعبيرًا عن فهمٍ صامت، وعن لقاء أرواح قبل لقاء كلمات. حتى الجمال الجسدي، في صورة الوجنتين، لا يُقدَّم بوصفه مظهرًا، بل كأثرٍ داخلي يفيض إلى الخارج، ليعود الشاعر إلى خلاصته القيمية: «وانت ما أروعك وما أجملك».
هذا النص، بما يحمله من صفاء إنساني وتصوّف جمالي، وجد لدى محمد الأمين أفقه اللحني المناسب. فجاء اللحن في بنية دائرية، تبدو هادئة في ظاهرها، لكنها مشحونة بالشجن والحنين، ومشبعة بإحساسٍ عالٍ بالوجود اللحظي. دائرية لا تعيد نفسها عبثًا، بل تعمّق الأثر، وتراكم الإحساس، وتمنح المعنى زمنه الكافي للتشكّل في وجدان المستمع.
أداء محمد الأمين، بحلاوة صوته وطلاوة أدائه، لم يكن منفصلًا عن فلسفة النص واللحن، بل جاء امتدادًا لهما. سيطرت الموسيقى ولازماتها، المنتمية إلى الجنس اللحني ذاته، على فضاء الغناء، فأسهمت في بناء حالة تطريب قائمة على الدمج الحسي بين الصوت والمعنى، وعلى واقعية التركيز دون افتعال، مع انسيابٍ نغميٍّ متراكم.
ذلك التراكم، الناتج عن مخزون لحني ومعرفي عميق، هو ما منح أغنية «ما أجملك» رصانتها وخلودها؛ فلم تكن مجرّد أغنية عاطفية، بل تجربة فنية متكاملة، شهدت لحظة نضج إبداعي التقى فيها شاعر يرى الإنسان قيمةً عليا، مع موسيقار يدرك أن اللحن ليس زينة للنص، بل شريكًا أصيلًا في إنتاج المعنى.