لا يمكن قراءة مشروع عبد الله علي إبراهيم بمعزل عن مدرسة “ما بعد الاستعمار”، وهي المدرسة التي لا تكتفي بالاحتفاء برحيل الجندي المستعمر، وإنما تنصرف إلى تفكيك ما تبقّى من الاستعمار في بنية التفكير، في اللغة، في ترتيب المؤسسات، وفي معايير الشرعية نفسها (1). ليست القضية عندها خروج إدارة أجنبية، بقدر ما هي مساءلة للعقل الذي استبطن تعريفاته للذات والآخر. في هذا المعنى، يضع عبد الله مشروعه داخل أفق نقدي يرى أن المستعمرة قد تغادر الأرض، لكنها قد تستقر في الذهن إن لم تُراجع أدوات النظر نفسها.
مشروعه يمثل انتفاضة معرفية، تسعى إلى تحرير الذات السودانية من أطر التعريف التي صاغها الاستعمار ثم تبنتها النخبة الوطنية بوصفها بداهة حديثة. لذلك يصر على أن أزمة السودان ليست فقط في سؤال “من يحكم”، وإنما في سؤال أعمق: كيف نفكر في الدولة؟ كيف نعرّف المجتمع؟ ومن يملك حق التسمية؟ هنا تتحول ما بعد الاستعمار من شعار سياسي إلى منهج تفكيك؛ فالقضية ليست إدانة الماضي، وإنما كشف استمراره داخل الحاضر (2).
أولاً: تشريح العقل الصفوي.. “الهذيان المانوي” كآلية حكم
في كتابه “الهذيان المانوي”، يقدّم عبد الله قراءة دقيقة لبنية عقل النخبة السودانية، ويرى أنها ورثت من الاستعمار نمطاً ثنائياً في التفكير يقسم العالم إلى حدّين متقابلين: حديث/تقليدي، عقلاني/خرافي، مدني/أهلي، دولة/مجتمع (1). هذه الثنائية ليست توصيفاً محايداً، وإنما هي آلية حكم؛ فهي تمنح أحد الطرفين صفة الشرعية والتقدم، وتضع الآخر في خانة التأخر والحاجة إلى الإصلاح (1).
المانوية عنده ليست مصطلحاً دينياً، وإنما توصيف لبنية معرفية تُبسّط المجتمع لتسهيل إدارته. يرى عبد الله أن الاستعمار لم يكتف بتقسيم المحاكم بين شرعية ومدنية، وإنما رتّب بينهما قيمة وهيبة ووظيفة (1). وعندما ورثت النخبة هذا التقسيم من غير مراجعة جذرية، فإنها ورثت معه منطقه الضمني: أن ثمة عقلاً حديثاً يُسمح له بإدارة الدولة، وعقلاً آخر يُترك للمجتمع في هامشه (1). هذا ما يسميه بالوعي المزدوج؛ حيث تتبنى النخبة خطاب الحداثة، لكنها تمارس إقصاءً معرفياً تجاه المنطق المحلي الذي لا يدخل في تعريفها للتقدم (2).
ومن هنا يمكن فهم نقده لـ “بخت الرضا”، ليس من باب التقليل من إسهامها التربوي، وإنما من زاوية أعمق: كيف صيغ مشروعها التعليمي في سياق يرى البيئة المحلية بوصفها مادة تحتاج إلى تهذيب وفق معيار خارجي؟ (3) وكيف أنتجت نمطاً من المثقفين المنبتين عن بيئتهم، يحملون في داخلهم احتقاراً مستبطناً لما جاءوا منه (3).
وهنا يلتقي مشروعه مع فانون في نقد الاستعمار بوصفه منتجاً لـ”وعي منقسم”، ومع إدوارد سعيد في مساءلة المعرفة بوصفها امتداداً للسلطة (8، 9). غير أن عبد الله لا يكتفي بتشخيص الانقسام، بقدر ما يسأل: كيف نعيد وصل ما انقطع من غير أن نعود إلى ما قبل الدولة؟
ثانياً: قومية أم قوميات؟.. معركة التعريف والتمثيل
في نصه “Sudan Nationalism or Sudan Nationalisms?”، يذهب عبد الله إلى أن ما يُسمى بالقومية السودانية لم يكن كياناً واحداً متجانساً، وإنما حقل صراعات بين مشاريع متعددة للتعريف والتمثيل (4). إن التركيز الحصري على قومية النخبة أغفل قومية الطبقة العاملة، ونضال النقابات، وسرديات اجتماعية لم تدخل في القاموس الرسمي للوطن (5).
يتجلى البعد ما بعد الاستعماري هنا بوضوح؛ فإعادة كتابة الوطنية لا تتم عبر الاحتفاء بسردية مركزية، وإنما عبر مساءلة من تم إسكاتهم في الأرشيف (12). وهنا يقترب من سؤال سبيفاك: هل يستطيع التابع أن يتكلم؟ (10) لكنه يذهب أبعد من السؤال إلى المنهج، حين يقترح “المؤرخ بيننا”؛ أي إعادة توزيع سلطة السرد بحيث لا يكون المجتمع موضوعاً للكتابة فقط، وإنما شريكاً في إنتاج معناها.
حين يحلل سياسات التمييز في الأجور، يقرأها بوصفها امتداداً لمنطق استعماري فرّق بين “عرب متقدمين” و”أفارقة متخلفين”، ندرك أن القومية الرسمية لم تكن محايدة، وإنما تشكلت داخل هذه التراتبية (13، 5). عبد الله لا يقترح قومية مضادة، بقدر ما يفتح السؤال: هل يمكن بناء وطن يعترف بتعدد قومياته الاجتماعية والثقافية دون أن يذيبها في تعريف واحد؟ (4).
ثالثاً: الحرب والثورة.. انفجار البنية لا تقلب المواقف
في قراءته للحرب الراهنة (أبريل 2023)، لا يتعامل عبد الله معها كصراع عابر، وإنما كانفجار لـ “بنية دولة موروثة” لم تُراجع جذورها المعرفية (6، 17). الدولة التي قامت على ازدواجية قانونية، ومركزية ثقافية، لا يمكن أن تستقر من غير إعادة تعريف نفسها (2، 7). إصراره على الحديث عن “العصيان المعرفي” هو دعوة لمراجعة المنطق الذي يدير الدولة قبل مراجعة الأشخاص (2). إن تغيير سلوك النخبة، والاعتماد على الذات، هو المخرج الوحيد لتفادي الانهيار الكامل لطبقة حاكمة لم تتعلم بعد كيف تقرأ مجتمعها (6).
خاتمة
إنصاف عبد الله علي إبراهيم لا يتحقق بتبني مواقفه، وإنما بفهم عمارة العقل التي يقترحها. مشروعه يحاول أن يجعل السودانيين يتصالحون مع تعددهم، ويخرجوا من الثنائيات التي اختزلتهم طويلاً. مدرسة ما بعد الاستعمار عنده ليست ترفاً، وإنما أداة كشف تتيح لنا أن نسأل: هل نختلف فعلاً حول المستقبل، أم نختلف داخل بنية تفكير واحدة لم ننتبه إليها بعد؟
ربما هنا تكمن قيمة المشروع الذي أفنى فيه الدكتور عمره: البحث عن سودان يرى نفسه بعيونه هو، لا بعيون من رحلوا وتركوا أقلامهم في أيدينا (13).