ثقافة وفنون

د.حمزة سليمان يكتب : الماحي سليمان موسيقاه بالفطرة

من الصعب جدًا أن أكتب عن الماحي سليمان، ومن السهل جدًا أيضًا أن أكتب عنه؛ لأنه رجل لا تُحيط به الكلمات، ولا تفيه العبارات حقه. هو من أولئك الناس الذين يتركون أثرهم في الحياة قبل الحكاية.

الماحي سليمان هو أخي الأكبر، وكبير أمي من الأولاد، لذلك لم يكن بالنسبة لنا مجرد أخ بل كان سندًا ممتدًا، وظهرًا لا يميل، وقلبًا مفتوحًا لنا في كل الظروف.
لازم والدتي في بدايات الحياة، وكان لها كل شيء؛ خصوصًا وأن امي وخالاتي لم يكن لهن أخ، فكان هو الأخ، والسند، والعضد، والونس، والطمأنينة. كان حاضرًا في أفراحهن وأحزانهن، قريبًا من تفاصيل حياتهن، كأنه يحمل عنهن تعب الأيام بحب ورضا.

نشأنا في بيتٍ يعرف معنى التراحم والتقدير، الماحي فيه عنوانًا للاتزان، ووجهًا من وجوه الطيبة الأصيلة. وقد صار لأبي بمثابة الأخ الأصغر الذي يأنس به ويُجلّه، حتى إن أبي، بكل أدبه ونبله، كان يحرص في مناداته له وكلامه معه على التوقير والمحبة. لم يكن يقبل غيابه، بل كان يريده قريبًا، جوار القلب وجوار البيت، كأنه جزء لا يكتمل المكان إلا به.

وبالنسبة لنا، الماحي سليمان عنوانًا ومتكأً، حريصًا على مستقبلنا، مشغولًا بنا، يفرح لنجاحنا، ويخاف علينا، ويزرع فينا الأمل من غير ضجيج. كبيرًا في موقعه، وكبيرًا في حنانه، وكبيرًا في احتوائه.

أما في الموسيقى، فالماحي سليمان موسيقارٌ بالفطرة والوجدان. له أنامل على العود تضيء النغم، وتوقظ في الروح شيئًا لا تقدر عليه الكلمات. حين يعزف، لا يكون العود مجرد آلة، بل يصبح لسان إحساس، وصوت ذاكرة، ورفيق وجدان. وحين يغني، يلحق بنا صوته إلى مساحات بعيدة من الشجن والجمال، فتأتلف الأصوات بالنغم، ونعرف معه متى يكون الوتر صوتًا، ومتى يكون نغمًا، ومتى تكون الموسيقى حياة كاملة.

نسج لنا من ألحانه قوالب شتى، فيها الشرقي، وفيها الخماسي السوداني، وفيها الروح السودانية الخالصة، مقامًا وإحساسًا وطِباعًا. فكان لنا شرف التغني بأعماله، أنا ونزار، ابنه الجيني والنغمي، في مشهد جميل تتعانق فيه الموهبة مع الامتداد، ويصبح الفن صلة رحم أخرى، فيها السلم الكبير يحنو على السلم الصغير الماينر، وفيها تتجاور الخبرة والعاطفة.

أما اجتماعيًا، فقد وهب الماحي سليمان حياته للناس. قريبًا من كل فئات المجتمع، يعامل الجميع بروحه الحميمة، وبوجهه البشوش، وبإنسانيته التي لا تفرّق بين أحد وأحد. يرى الناس سواءً في المحبة والاحترام، ويتعامل معهم بما يليق بكرامتهم، لذلك أحبّه الجميع، لأنه كان واحدًا منهم جميعًا، وقلبه يتسع لهم جميعًا.
اما تمدنا ،، فتكفي تسمية حبوبة ستنا له ( ماحي بي) لانه كان يلبس الكرفته ويمشي الشغل، وغناءها له ( يا بولاد الحديد يا الماحي يا الماك بليد )

الماحي سليمان ليس مجرد أخ أكبر ساهم في تربيتنا ونشأتنا، بل هو صفحة مضيئة من صفحات العمر، وركن ثابت من أركان الذاكرة، ورجل من ذلك الطراز النادر الذي يجمع الحنية والقوة، الذوق والمهابة، الفن والوفاء، والقرب الجميل الذي يشبه ماء النيل حين يمر هادئًا فيمنح الأرض حياة.هو باختصار:
أخٌ أكبر، ومربٍّ، وموسيقار، وإنسان، وسندٌ من ذلك النوع الذي لا يتكرر كثيرًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى