دكتور هاشم عبدالسلام يكتب: عبدالرحمن عبدالله.. من مهد التجربة إلى فضاء الاحتراف…
Mazin
ثمة فنانون يمرون في الذاكرة مرور العابرين، وثمة فنانون تتحول أصواتهم إلى جزء من وجدان أمة. ومن هذه القلة النادرة يبرز الفنان عبدالرحمن عبدالله؛ ذلك الصوت الذي لم يولد في قاعات الفن، وإنما خرج من رحم الأرض، ومن دفء الإنسان الكردفاني، ومن ذاكرة المكان التي لا تخون أبناءها. كانت بارا أكثر من مدينة في سيرته؛ كانت المهد الأول الذي احتضن موهبته، وأرضعها لبن الأصالة، ودسّ في أعماقها شغف الانتماء، وألبسها عباءة الحنين. هناك، حيث تمتد سهول كردفان وتتعانق الرمال مع الأفق، تشكل وجدانه، ونما إحساسه، حتى صار صوته امتدادًا لنبض الأرض، وصدىً لوجدان أهلها. من تلك البدايات المغموسة في الشجن، انطلقت رحلته نحو فضاء الاحتراف، لا متكئًا على ضجيج الشهرة، وإنما على صدق الإحساس ونقاء الموهبة. كان يغني كما لو أنه يسكب قلبه في أفواه الناس، فتخرج الأغنية دافئة، عذبة، صادقة، تحمل رائحة المطر على أرض كردفان، وتفوح منها نكهة الطلح والهشاب، وتلامس شغاف القلب دون استئذان. غنى للحب، لكنه لم يقدمه عاطفةً مجردة، بل جعله تجربةً إنسانية كاملة. فجاءت رائعة «يا عذاب الحب يا ناس»، التي أبدع كلماتها الشاعر مرتضى صباحي، لتصبح مرآةً لوجدان العاشق السوداني، حيث التقت الكلمة الرشيقة بالصوت الشفيف، فصنعا عملًا تجاوز حدود الزمان. غير أن أجمل أغانيه كانت تلك التي عاد فيها إلى محبوبته الأولى… بارا. لم يكن ينشد مدينةً، وإنما كان ينشد طفولته، وذكرياته، وأهله، وكل ما تركته الأرض في روحه من أثر. لذلك جاء نداؤه الخالد: «يا بلومي شيل السلام… أمشي بارا… وديك أم روابة… والأبيض غرب حبابها.» في هذه الكلمات تتجلى كردفان كلها؛ مدنها، وناسها، وطرقها، ولهجتها، ودفء بيوتها. إنها ليست أغنية، بل قصيدة انتماء، ووثيقة حب، وسفر وجداني يقرأه كل من عرف معنى الشوق إلى الأرض. ثم تتوالى الروائع؛ «جدي الريل أبو كزيمة»، و**«حظ السباتة»، و«ست الفريق»**، وغيرها من الأعمال التي التصقت بتراب كردفان حتى أصبحت جزءًا من هويتها الثقافية. كانت أغنيات تشرب من بحر المودة، وتتوسد سفوح التراث، وتستظل بظلال الموروث الشعبي، فبدت وكأنها خرجت من قلب الإنسان الكردفاني قبل أن تخرج من حنجرة الفنان. لم يكن عبدالرحمن عبدالله مجرد مؤدٍ للأغنية، بل كان مؤرخًا للمكان بالنغم، ورسّامًا للوجدان بالصوت. كل لحن عنده نافذة، وكل أغنية طريق يؤدي إلى قرية، أو شجرة، أو مجلس، أو ذاكرة لا تزال تنبض بالحياة. وهكذا، انتقل عبدالرحمن عبدالله من مهد التجربة إلى فضاء الاحتراف، دون أن يخلع عباءة البساطة، أو يتنكر لأول الطريق. ظل وفيًا للأرض التي أنجبته، وللناس الذين أحبوه، وللفن الذي آمن بأن عظمته لا تُقاس بكثرة الألحان، وإنما بقدرته على أن يترك في القلب أثرًا لا يمحوه الزمن. إنه صوتٌ إذا صدح، تكلمت كردفان؛ وإذا غنّى، ابتسم السودان.