خيانة الجغرافيا والتاريخ: خطورة التحالف مع إسرائيل على الامن العربي

سليمان العقيلي
تعيش الأمة العربية لحظة فارقة يتقاطع فيها الانهيار القيمي مع التفكك الجيوسياسي، حيث لم يعد الخطر محصوراً في المشاريع المعادية القادمة من خارج الإقليم، بل بات يتجسد في تحالفات عربية مريبة مع العدو الصهيوني نفسه، تُسوَّق تحت عناوين الأمن والاستقرار والتنمية. هذا المسار لا يمثل مجرد انحراف سياسي، بل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي، وللأمن الوطني لكل دولة ما زالت ترى في استقلال قرارها ومركزية القضية الفلسطينية ركناً من تعريفها لذاتها ولدورها.
التحالف مع إسرائيل هو أخطر انكسار استراتيجي في تاريخ النظام العربي المعاصر، لأنه يعيد تعريف مفهومي العدو والصديق، وينقلب على المسلّمات التي تأسس عليها الوعي العربي منذ نشوء الصراع. فالكيان الذي كان يُنظر إليه بوصفه التهديد المركزي، يتحول فجأة إلى “شريك أمني” أو “ضامن إقليمي”، وتُستدعى قوته لتعزيز مواقع بعض الأنظمة في مواجهة قوى عربية أخرى. هنا لا نتحدث عن براغماتية سياسية عابرة، بل عن استبدال منطق التضامن العربي بمنطق الاستقواء بالمعتدي التاريخي على حساب وحدة المصير.
في هذه اللحظة، يُفرغ مفهوم الأمن القومي العربي من مضمونه الجماعي، ويُعاد تشكيله وفق مقاسات أمن أنظمة منفردة تبحث عن ضمانات بقائها او تعزيز طموحاتها . حتى لو كان الثمن ضرب ركائز القوة العربية المتماسكة او أمن الاقليم بكامله.
الخطر لا يقف عند حدود السياسة، بل يمتد بنيوياً إلى صلب البنية الأمنية العربية. فالتعاون الاستخباري والتكنولوجي مع إسرائيل يفتح للكيان المحتل أبواباً غير مسبوقة للاطلاع على البنى التحتية، والبيانات الحساسة، وخرائط المجتمعات والنخب. عند هذه النقطة يصبح الخطر عابراً للحدود، لأن أي شبكة أمنية أو رقمية يشترك فيها العدو الصهيوني تتحول إلى أداة محتملة للابتزاز، والتجسس، والتأثير في القرار السيادي العربي، تحت غطاء “الشراكة” و“التكامل”.
على المستوى الهوياتي، يضرب هذا التحالف في عمق الوجدان العربي. ففلسطين لم تكن ملفاً سياسياً فحسب، بل رمزاً لوحدة أخلاقية ومعنوية. حين يُعاد تقديمها كعبء، ويُروَّج للعدو بوصفه فرصة اقتصادية وتكنولوجية، يُدفع المجتمع العربي إلى اغتراب أخلاقي خطير، يفقد فيه حساسيته تجاه التهديدات الوجودية، ويصبح أكثر قابلية لتبرير التنازلات التي تمس السيادة والهوية. هذه الهشاشة لا تظهر فوراً، لكنها تنفجر عند أول اختبار تاريخي حقيقي.
كما يفتح التحالف مع إسرائيل الباب لسباق محاور إقليمي، تُختزل فيه السياسات العربية بسؤال واحد: من الأقرب إلى تل أبيب ومن الأبعد، بدلاً من سؤال المصلحة العربية الجماعية والاستقلال الاستراتيجي. في هذا السياق يصبح استهداف القوى العربية المتماسكة ضرورة في حسابات التحالف الصهيوني – الإقليمي، لأن وجود نماذج عربية مستقلة وقادرة على التنمية دون ارتهان يفضح كذبة “لا خيار إلا إسرائيل”.
التحالف مع العدو الصهيوني ليس ضمانة أمن، بل وصفة مؤكدة لإدامة الهشاشة العربية، وإعادة هندسة المنطقة بحيث تكون إسرائيل مركزها، والعرب أطرافاً متنازعة. والخطر الحقيقي لا يكمن فقط في خسارة موقف أو قضية، بل في إعادة برمجة وعي أجيال كاملة لتتعامل مع العدو كحليف، ومع الشقيق كتهديد. عندها يصبح استرداد المعنى، لا الأرض وحدها، هو المعركة الأصعب.



