خيار الداخل: استعادة القرار الوطني في خطاب البرهان.
Mazin
فيما ارى عادل الباز ١ «وإلى أن يأتي ذلك اليوم، لا نتراجع أبداً، ولا نكلّ أبداً، ولا نيأس أبداً.» “Meanwhile, never flinch, never weary, never despair.” شكّلت العبارة أعلاه، وهي للزعيم البريطاني ونستون تشرشل، والتي ألقاها في البرلمان البريطاني في الأول من مارس 1955، واستدعاها الرئيس البرهان في خطابه المشار إليه، شكلت المناخ العام للخطاب رغم انها جاءت بطريقة عفوية .ذكر الرئيس البرهان الشعب السوداني بالشجاعة والصبر اللذين تحلّى بهما الجيش الذي واجه الحصار في عاصمته، وحوصرت أغلب مقارّه لعامين، ولم تجد بعض وحداته ما تأكله، وهي تحت القصف المستمر. ورغم ذلك، لم يكلّ ولم يتراجع، ولم يجد اليأس إليه سبيلاً. كان استدعاء الرئيس البرهان لهذه العبارة موفقاً؛ فقد كان تشرشل يحلم بأن «يوماً قد يأتي تنتصر فيه العدالة والحرية واحترام الإنسان، وتخرج الأجيال المعذبة من هذا العصر المرعب». ولعل هذا هو ما يحلم به الرئيس البرهان أيضاً: أن يتجاوز السودان هذه المحنة المرعبة، وأن يستعيد قراره الوطني، وأن يفتح طريقاً إلى توافق سياسي يصنعه السودانيون بأنفسهم ٢ تجاوز خطاب الرئيس البرهان حدود المناسبة، وحمل دلالات سياسية مهمة تُشي بتحولات في أكثر من اتجاه. ويبدو أن اختيار مناسبة عيد الجيش للإعلان عن وقائع ما جرى من حوارات ومشاورات بشأن الحوار السوداني–السوداني في الداخل لم يكن عابراً؛ فقد جاء الإعلان في منعطف فشلت فيه محاولات التدخل الخارجي في فرض أجندات وحلول على السودان. فقد تعثّر مسار إعلان جدة، وأسهمت الصراعات وتضارب الأجندات بين دول الرباعية في إضعافه وفشله في تحقيق تقدم ملموس، رغم الجهود الحثيثة لفرض أجندتها على السودان، متكئةً على النفوذ الأميركي ودور مسعد بولس. كما تراجعت مبادرة الخماسية، التي لم تستطع التقدم خطوة كافية، ولم تنجح في جمع الفرقاء السودانيين إلى مائدة واحدة. وفي ظل هذا الفراغ السياسي، وخلوّ الساحة من مبادرة جادة قادرة على جمع السودانيين، التقط الجيش مبادرة مجموعة من الوطنيين لبدء حوار سوداني–سوداني في الداخل، وأعلن قبوله تلك المبادرة في يوم عيده الثاني والسبعين. وبذلك انتقلت المبادرة، ولو جزئياً، من الخارج إلى الداخل، وأصبح النقاش يدور حول قدرة السودانيين على إدارة خلافاتهم بأنفسهم. ٣ جاءت الدعوة إلى الحوار السوداني–السوداني وقبولها في سياق الانتصارات والنجاحات التي حققها الجيش في محور شمال كردفان، وبالتحديد في معارك طريق الصادرات وغيرها من المناطق. لذلك، حين قبل الجيش فتح أبواب الحوار وهو في موقع متقدم ميدانياً، لم يكن واقعاً تحت ضغط سياسي مباشر، بل مضى واثقاً ليعلن أنه يسعى إلى توافق السودانيين عبر الحوار. وتكمن أهمية هذه النقطة في أن الحوار، وفق هذا التصور، ليس مبادرة مفروضة على الجيش، ولا نتيجة لضغط خارجي، بل مسار يشارك فيه السودانيون بإرادتهم. كما أن قبول الجيش بنتائج الحوار، مهما كانت، يمثل استجابة لرغبة الشعب، شريطة أن تكون تلك النتائج صادرة عن عملية حوار حقيقية وواسعة، لا عن اتفاق محدود بين النخب السياسية. ٤ بعث الجيش برسالة أخرى مفادها أنه لن يتدخل في أجندة الحوار أو مخرجاته، ولن يعيّن المتحاورين، ولن يتدخل في أي شأن يتعلق بالمؤتمر. وينحصر دوره في تهيئة الأجواء لإنجاح الحوار، من خلال توفير الضمانات للمشاركين، بالطريقة التي ذكرها وشرحها الرئيس البرهان في خطابه. واستوقفتني في الخطاب عبارة ذات دلالة خاصة، وهي: «الحوار ينطلق من الداخل». فهذه العبارة تعني أن الحوار يمكن أن يبدأ من الداخل، ولا شيء يمنعه إذا توافق السودانيون على أجندة محددة. كما يمكن نقل النتائج التي يتوصل إليها حوار الداخل إلى السودانيين في الخارج، ممن لم يتمكنوا من الحضور لأسباب مختلفة، بحيث لا يتحول عامل المكان إلى سبب لإجهاض مسار التوافق. 5 يأتي الحوار أيضاً في وقت يتسم بانفراج نسبي في العلاقات الخارجية؛ إذ يستعيد الاتحاد الأفريقي علاقاته بالسودان بصورة جماعية، من خلال الزيارات المتتالية لوفوده. كما استضافت الخرطوم وفد مجلس السلم والأمن الأفريقي، في وقت يُعقد فيه مجلس التنسيق الاستراتيجي السوداني–السعودي في العاصمة السعودية الرياض للمرة الأولى، وسط توقعات بأن يسهم في دفع العلاقات بين البلدين إلى الأمام. ولا يعني هذا الانفراج أن الحوار الداخلي يجب أن يكون بديلاً عن العلاقات الخارجية، بل يعني أن تحسين البيئة الإقليمية يمكن أن يساعد السودانيين على إدارة حوارهم بعيداً عن الضغوط والإملاءات، وأن يجعل الدعم الخارجي مسانداً للتوافق الوطني لا بديلاً عنه. 6 حمل الخطاب إشارات مهمة حول طبيعة الحوار المرتقب؛ فهو حوار يشمل الفضاء المجتمعي والسياسي والفئوي، بما يعني اتساع نطاق المشاركة، وخلوّ الخطاب من إشارة صريحة إلى إقصاء قوى سياسية أو مجتمعية بعينها. وهنا تبرز ضرورة التمييز بين رفض العنف ورفض المشاركة السياسية. فاستبعاد من يواصل القتال أو يرفض وضع السلاح لا يتعارض مع مبدأ شمول الحوار، بينما ينبغي عدم إقصاء القوى المدنية والسياسية التي يمكن أن تشارك في العملية السياسية، حتى إن اختلفت مواقفها، ما دامت تلتزم بالوسائل السلمية وبوحدة السودان. أما العبارة التي تشير إلى استثناء «المليشيا ومسانديها» من الحوار، فهي تحتمل أكثر من تفسير. فقد يكون المقصود بها «صمود» بوصفها جسماً مدنياً مسانداً للمليشيا، أو ما يُسمّى «تأسيس»، وهو الاحتمال الأرجح. ومهما يكن الموقف من هذه الجهات، فمن المهم التعامل مع المسألة بوضوح، حتى لا يتحول الغموض إلى ذريعة لتوسيع دائرة الإقصاء. أما من يندرج ضمن التشكيلات المسلحة، فإن أي حوار معه ينبغي أن يتم في سياق مختلف، بعد وضع السلاح والالتزام بالشروط التي يحددها الجيش والدولة. وبذلك يصبح معيار المشاركة واضحاً: القبول بالحوار السلمي، واحترام وحدة البلاد، ورفض استخدام القوة لفرض المواقف. 8 بعد موافقة الجيش على مقترح الحوار السوداني–السوداني وتعهده بتوفير متطلباته، تصبح المهمة الأساسية للجنة الوطنية، المتوقع إعلانها قريباً، هي وضع أجندة الحوار وطرحها في الفضاء العام أولاً، ليجري التداول حولها، ثم الانتقال إلى مناقشة تفاصيل القضايا المطروحة. ولا بد أن تتخذ اللجنة الوسائل المناسبة لسماع صوت مختلف القطاعات المجتمعية، بما في ذلك الولايات والنازحين والنساء والشباب والقيادات الأهلية والمهنية، وألا تسمح للنخب السياسية وغيرها باحتكار فضاءات الحوار، بحجة أن صوتها أعلى أو أنها الأقدر على فرض أجندتها. كما أن نجاح اللجنة يتطلب إعلان معايير اختيار المشاركين، ووضع جدول زمني واضح، وتحديد آلية شفافة لاتخاذ القرار، ونشر مخرجات الحوار للرأي العام، مع إنشاء وسيلة معلنة لمتابعة تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه. 9 إن نجاح عملية الحوار يعتمد أساساً على الشفافية والقدرة على الوصول إلى القواعد الشعبية، بعيداً عن أروقة النخب المغلقة. كما أن الضمانات التي أشار إليها الرئيس البرهان يجب أن تُترجم إلى ممارسات ملموسة تمنح المشاركين شعوراً بالأمان والحرية في طرح آرائهم. ولا يكفي أن يُعقد الحوار؛ بل يجب أن يكون قادراً على معالجة جذور الأزمة، وتحديد مسؤوليات الأطراف، ووضع تصور واقعي للمرحلة المقبلة. فالحوار ليس بديلاً عن المساءلة، ولا عن معالجة أسباب الحرب، بل وسيلة لبناء توافق سياسي يمهّد لهذه الاستحقاقات، ويمنع تكرار أسباب النزاع. إن السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى ميثاق وطني يجمع شتات الرؤى، ويضع خارطة طريق واضحة للخروج من هذا النفق المظلم. وهذا يتطلب تكاتف الجهود، وتجاوز مرارات الماضي، وتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية والشخصية. فالحوار من الداخل لا ينجح بمجرد انعقاده، بل بقدرته على إنتاج توافق وطني قابل للتنفيذ، لا مجرد اتفاق جديد بين النخب. وإذا أُحسن تنظيمه وضُمنت مشاركته وشفافيته، فقد يمثل خطوة مهمة نحو استعادة القرار الوطني وفتح الطريق أمام سلام مستدام ودولة تتسع لجميع السودانيين.