خمسة مليارات عقوبةً عزف الموسيقى! ببورتسودان تخيل

أمين سنادة يكتب..

طوال سنوات ارتباطى باتحاد الأدباء والفنانين، كنت من أكثر أعضائه حرصاً على عدم إثارة النقاط الخلافية المتعلقة بالعمل الإداري داخل الاتحاد عبر الميديا. وكنت حريصاً على أن أتناول في كتاباتي القضايا العامة، وأن أنحاز إلى التوثيق وحفظ الذاكرة الفنية، بعيداً عن الخلافات التي قد تنشأ داخل المؤسسة.

لكن، بصراحة، لم يخطر ببالي أن يصل الأمر بإدارة اتحاد الأدباء والفنانين إلى اللجوء للقضاء لحسم خلاف ذي طبيعة فنية، يتعلق بالعزف الموسيقي وتوقيته، وأن تنتهي القضية، بحسب المعلومات المتداولة، إلى سجن عضو بالاتحاد، وهو دكتور أكاديمي، على خلفية اتهامه بالعزف الموسيقي في أوقات الصلاة، ثم تغريمه مبلغ خمسة مليارات، مع السجن ستة أشهر في حالة عدم الدفع.

خمسة مليارات عقوبةً على عزف الموسيقى!

بعيداً عن التفاصيل القانونية للقضية، التي تستحق الاطلاع على منطوق الحكم وأسبابه، يظل السؤال الجوهري قائماً: كيف يمكن لمؤسسة ثقافية وفنية أن تتعامل مع خلاف حول ممارسة فنية وتوقيت أدائها عبر مسار ينتهي إلى هذه العقوبات؟

إن اتحاد الأدباء والفنانين ليس مجرد مبنى أو مجموعة من المكاتب والمناصب الإدارية؛ إنه مؤسسة نشأت من أجل احتضان الإبداع، وحماية الفنانين، وتوفير المساحة التي يستطيعون فيها ممارسة أدوارهم الفنية والثقافية. ومن الطبيعي أن تنشأ داخله خلافات، وأن تتباين وجهات النظر حول الأنشطة ومواعيدها وضوابطها، لكن جوهر العمل المؤسسي يكمن في القدرة على إدارة هذه الخلافات بالحوار، واللوائح الواضحة، والوسائل التي تصون كرامة الأعضاء وتحفظ للمؤسسة دورها الثقافي.

وإذا كان هناك خلاف حول العزف في أوقات الصلاة، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح هو: هل استُنفدت الوسائل المؤسسية الممكنة لمعالجة الخلاف؟ وهل كانت هناك ضرورة للذهاب به إلى القضاء؟ وما حدود مسؤولية الإدارة في اختيار الوسيلة المناسبة لمعالجة خلاف من هذا النوع؟

هذه ليست أسئلة للتقليل من شأن القانون أو الانتقاص من اختصاص القضاء، وإنما هي أسئلة عن مسؤولية المؤسسة الثقافية، وعن طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط إدارتها بأعضائها، وعن الفرق بين إدارة الخلافات الفنية والإدارية وبين تحويلها إلى نزاعات تترتب عليها عقوبات بهذه الضخامة.

إنني أعتقد أن هذه الخطوة تضع إدارة الاتحاد أمام أزمة أخلاقية ومؤسسية عميقة، وتثير أسئلة جدية حول المسوغ الأخلاقي لاستمرارها في إدارة مؤسسة يُفترض أن تكون حاضنة للفنانين، لا طرفاً في مسار ينتهي إلى معاقبة أحد أعضائها بهذه الصورة.

وليس في ذلك إعفاء لأي عضو من الالتزام بالقانون أو بلوائح المؤسسة، بل إن الالتزام نفسه يقتضي أن تكون اللوائح عادلة وواضحة، وأن تُطبَّق بما يحفظ الحقوق، وأن تكون معالجة الخلافات متناسبة مع طبيعتها، وألا يتحول الاختلاف إلى خصومة تُلقي بظلالها على مستقبل العمل الثقافي والفني.

لقد وضعت إدارة الاتحاد، بهذه الخطوة، سابقة بالغة الخطورة في تاريخ المؤسسة، سابقة ستظل موضع مساءلة ونقاش، ليس فقط بسبب ما ترتب عليها في حق العضو المعني، وإنما أيضاً بسبب ما تطرحه من أسئلة عن مستقبل العلاقة بين الإدارة والعضوية، وعن معنى أن تكون المؤسسة الفنية فضاءً للإبداع والتسامح وقبول الاختلاف.

وأخشى أن يكون ما حدث قد نسف ما تبقى من الاعتبار الأخلاقي للإدارة، وأضعف أي مبرر لاستمرارها في موقعها، وترك على عاتقها مسؤولية تاريخية لا يمكن تجاوزها بالصمت أو تجاهل الأسئلة التي أثارتها هذه القضية.

فالمؤسسات الثقافية لا تُقاس فقط بما تنظمه من فعاليات، بل أيضاً بالطريقة التي تتعامل بها مع أعضائها عندما يختلفون معها.

وللتاريخ ذاكرة، وللمؤسسات مواقف تبقى شاهدة عليها؛ بعضها يُكتب في سجلات الإنجاز، وبعضها الآخر يُكتب في سجل الإخفاقات التي تتحمل المؤسسة وإدارتها مسؤوليتها

↑
Exit mobile version