خلية سعر الصرف.. هل يستطيع بنك السودان والحكومة كسر الحلقة التي تهبط بالجنيه؟
Mazin
قرار تشكيل خلية أزمة لسعر الصرف برئاسة وزير المالية جبريل إبراهيم هو اعتراف رسمي بأن مشكلة الجنيه تجاوزت حدود العمل المصرفي الروتيني وأصبحت تهديداً اقتصادياً واجتماعياً مباشراً. الحكومة قالت اليوم إن اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد ناقشت «تآكل سعر صرف العملة الوطنية وأثره على معاش الناس»، وهي صياغة تكشف السبب الحقيقي للاستنفار: انهيار الجنيه لم يعد مجرد رقم في السوق الموازية؛ إنه ينتقل مباشرة إلى أسعار الغذاء والدواء والوقود والمدخلات الصناعية. (Sudan Government) التقارير السوقية اليوم تضع الدولار قرب 6,500 جنيه في السوق الموازية. لكن المشكلة أكثر تعقيداً من ارتفاع السعر. خلال الفترات التي يكون فيها السعر الرسمي أقل كثيراً من الموازي، يهرب المصدرون وحائزو النقد الأجنبي من البنوك. المصدر الذي يستطيع بيع دولار صادراته بسعر أعلى خارج المصرف لا يملك حافزاً اقتصادياً لتسليمه للبنك. وبالتالي ينخفض المعروض داخل الجهاز المصرفي. ثم يجد المستورد نفسه أمام بنوك لا تملك ما يكفي من الدولار، فيذهب إلى السوق الموازي. يزداد الطلب في السوق، فيرتفع السعر أكثر. كل ارتفاع جديد يجعل بيع الدولار للبنك أقل جاذبية، فتتسع الفجوة مرة أخرى. هذه هي الحلقة التي يحاول بنك السودان والحكومة كسرها. وكان البنك المركزي قد اتجه أخيراً إلى منح المصارف التجارية حرية أكبر في تعديل أسعار العملات الأجنبية وشراء حصائل الصادرات وفق العرض والطلب. الفكرة هي تحويل البنوك من متلقٍ سلبي لسعر تحدده الدولة إلى منافس حقيقي للسوق الموازي. لكن السعر وحده لا يكفي. السودان يحتاج إلى مصدر مستدام للعملة الأجنبية. وهنا يأتي الذهب. الحكومة نفسها قالت اليوم إن خلية الأزمة ستربط معالجة سعر الصرف بزيادة الإنتاج في التعدين والزراعة والثروة الحيوانية. وهذا اعتراف مهم بأن السياسة النقدية لا تستطيع إنقاذ الجنيه إذا لم يتوفر إنتاج قابل للتصدير. (Sudan Government) لكن الذهب يواجه مشكلة إضافية: التهريب. تحقيق Sudan Tribune المنشور اليوم يرسم صورة لاقتصاد ذهب موازٍ في دارفور يتحرك عبر تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى إلى الأسواق العالمية. وإذا خرجت كميات كبيرة من الذهب بهذه الطريقة، فلن تستفيد منها البنوك أو احتياطيات الدولة أو حصائل الصادر. (Sudan Tribune) أي أن معركة سعر الصرف هي جزئياً معركة سيطرة على الموارد والحدود. حتى إذا نجحت المصارف في رفع أسعار شراء العملات، سيظل التاجر يفضل السوق الموازي إذا كان يستطيع تحويل الأموال ونقل الذهب خارج النظام الرسمي بسهولة وبعائد أعلى. هناك أيضاً جانب الإنفاق العام. الحرب تخلق طلباً ضخماً على العملات الأجنبية: وقود، معدات، أدوية، قطع غيار، سلع استراتيجية، ومدفوعات حكومية في الخارج. وكلما تجاوز الطلب تدفقات الدولار الجديدة، سيبقى الضغط على الجنيه. ما الذي يمكن أن تفعله الخلية إذاً؟ الأداة الأولى هي جذب حصائل الصادر رسمياً عبر أسعار تنافسية وسهولة التعامل. الثانية هي ترتيب أولويات الواردات بحيث يذهب النقد المتاح إلى الغذاء والدواء والطاقة والإنتاج بدلاً من السلع الأقل أولوية. الثالثة هي زيادة الصادرات، خصوصاً الذهب والماشية والمحاصيل. الرابعة هي استعادة التحويلات من السودانيين بالخارج عبر قنوات مصرفية موثوقة وبأسعار جذابة. والخامسة هي الحد من المضاربة وغسل الأموال، لكن من المهم ألا تتحول السياسة كلها إلى حل أمني لمشكلة اقتصادية. إغلاق تجار العملة قد يخفض النشاط أياماً، لكنه لا يخلق دولاراً واحداً جديداً. الخبر الجيد هو أن الحكومة بدأت تربط السعر بالإنتاج. أما الخطر فهو أن تصبح «خلية الأزمة» لجنة جديدة تضاف إلى هياكل سبق إنشاؤها من دون تغيير في أساسيات السوق. هناك مؤشر بسيط سيحكم على نجاحها خلال الأسابيع المقبلة: كم دولاراً وذهباً دخل فعلياً إلى البنوك؟ إذا ارتفع المعروض الرسمي وبدأ المستوردون يجدون احتياجاتهم لدى المصارف، يمكن تضييق الفجوة مع السوق الموازي. أما إذا استمر الجنيه في الهبوط رغم تقارب الأسعار الرسمية والموازية، فذلك يعني أن الأزمة أعمق: السودان لا يواجه فقط خللاً في تسعير الدولار، بل عجزاً هيكلياً في توليد النقد الأجنبي أثناء اقتصاد الحرب.