تقارير

خطاب جيفري دي. ساكس، أستاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا ومستشار أممي سابق. في مجلس الأمن الدولي بمقر الأمم المتحدة في نيويورك

سعادة الرئيس،
أصحاب السعادة أعضاء مجلس الأمن الموقرون،

إن القضية المعروضة أمام المجلس اليوم لا تتعلق بطبيعة حكومة فنزويلا. القضية الحقيقية هي ما إذا كان يحق لأي دولة عضو، باستخدام القوة أو الإكراه أو الخنق الاقتصادي، أن تحدد المستقبل السياسي لفنزويلا أو أن تمارس السيطرة على شؤونها. وهذا السؤال يمسّ مباشرةً المادة الثانية، الفقرة الرابعة، من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة.

إن على المجلس أن يقرر اليوم ما إذا كان هذا الحظر سيُصان أم سيتم التخلي عنه. والتخلي عنه ستكون له عواقب بالغة الخطورة. اسمحوا لي أن أقدم بعض الخلفية.

منذ عام 1947، استخدمت السياسة الخارجية للولايات المتحدة مرارًا القوة، والعمليات السرية، والتلاعب السياسي لإحداث تغيير في الأنظمة الحاكمة في دول أخرى. وهذا أمر موثق بعناية في السجل التاريخي. ففي كتابها «التغيير السري للأنظمة»، توثق عالمة السياسة ليندسي أو’رورك سبعين محاولة أمريكية لتغيير أنظمة الحكم بين عامي 1947 و1989 وحدهما.

ولم تنتهِ هذه الممارسات بانتهاء الحرب الباردة. فمنذ عام 1989، شملت أبرز عمليات تغيير الأنظمة التي نفذتها الولايات المتحدة دون تفويض من مجلس الأمن، وأكثرها تأثيرًا، العراق عام 2003، وليبيا عام 2011، وسوريا منذ عام 2011، وهندوراس عام 2009، وأوكرانيا عام 2014، وفنزويلا منذ عام 2002 فصاعدًا.

أما الأساليب المستخدمة فهي معروفة وموثقة جيدًا، وتشمل: الحرب المفتوحة، والعمليات الاستخباراتية السرية، وإشعال الاضطرابات، ودعم الجماعات المسلحة، والتلاعب بوسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي، ورشوة المسؤولين العسكريين والمدنيين، وعمليات الاغتيال المستهدفة، وعمليات الراية الكاذبة، والحرب الاقتصادية.

هذه الإجراءات غير قانونية بموجب ميثاق الأمم المتحدة، وغالبًا ما تؤدي إلى عنف مستمر، وصراعات دموية، وعدم استقرار سياسي، ومعاناة عميقة للسكان المدنيين.

أما السجل الأمريكي الحديث فيما يتعلق بفنزويلا فهو واضح أيضًا. ففي أبريل 2002، كانت الولايات المتحدة على علم بمحاولة انقلاب ضد الحكومة ووافقت عليها. وخلال عقد 2010، انخرطت منظمات مجتمع مدني ممولة من الولايات المتحدة بنشاط في احتجاجات مناهضة للحكومة.
وعندما شددت الحكومة قبضتها على هذه الاحتجاجات، ردت الولايات المتحدة بسلسلة من العقوبات. وفي عام 2015، أعلن الرئيس باراك أوباما أن فنزويلا تشكل – وأقتبس – «تهديدًا غير عادي واستثنائي للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة».

وفي عام 2017، وخلال عشاء مع قادة دول أمريكا اللاتينية على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، ناقش الرئيس ترامب علنًا خيار قيام الولايات المتحدة بغزو فنزويلا للإطاحة بالحكومة.

وخلال الفترة من 2017 إلى 2020، فرضت الولايات المتحدة عقوبات شاملة على شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA). ونتيجة لذلك، انخفض إنتاج النفط بنسبة 75% بين عامي 2016 و2020، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد بنسبة 62%.

وقد صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة مرارًا وبأغلبية ساحقة ضد مثل هذه التدابير القسرية الأحادية. ووفقًا للقانون الدولي، فإن مجلس الأمن وحده يملك سلطة فرض مثل هذه الإجراءات.

وفي 23 يناير 2019، اعترفت الولايات المتحدة من جانب واحد بالسيد خوان غوايدو رئيسًا مؤقتًا، وبعد أيام قليلة جمدت نحو 7 مليارات دولار من الأصول السيادية الفنزويلية المحتفظ بها في الخارج، ومنحت السلطة المعينة السيطرة على بعض هذه الأصول.

تشكل هذه الأفعال جزءًا من جهد أمريكي متواصل لتغيير النظام، يمتد لأكثر من عقدين.

وخلال العام الماضي، نفذت الولايات المتحدة عمليات قصف في سبع دول، لم يكن أي منها مفوضًا من مجلس الأمن، ولم يُنفذ أي منها في إطار دفاع مشروع عن النفس وفقًا للميثاق. وتشمل الدول المستهدفة: إيران، والعراق، ونيجيريا، والصومال، وسوريا، واليمن، والآن فنزويلا.

وخلال الشهر الماضي، أصدر الرئيس ترامب تهديدات مباشرة ضد ست دول أعضاء في الأمم المتحدة، من بينها كولومبيا، والدنمارك، وإيران، والمكسيك، ونيجيريا، وبالطبع فنزويلا.

إن أعضاء المجلس غير مطالبين بالحكم على نيكولاس مادورو. وهم غير مطالبين بتقييم ما إذا كان الهجوم الأمريكي الأخير والحصار البحري المستمر يؤديان إلى الحرية أم إلى الخضوع. إنما يُطلب من أعضاء المجلس الدفاع عن القانون الدولي، وتحديدًا ميثاق الأمم المتحدة.

إن المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، التي عبّر عنها بأبلغ صورة جون ميرشايمر، تصف بدقة حالة الفوضى الدولية بوصفها «مأساة سياسات القوى العظمى». غير أن الواقعية هي وصف للواقع، وليست حلًا للسلام. وخلاصتها نفسها أن الفوضى تقود إلى المأساة.

في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أُنشئت عصبة الأمم لإنهاء هذه المأساة عبر تطبيق القانون الدولي. لكن الدول الكبرى فشلت في الدفاع عن القانون الدولي في ثلاثينيات القرن الماضي، ما أدى إلى اندلاع حرب عالمية جديدة.

وقد نشأت الأمم المتحدة من رحم تلك الكارثة بوصفها المحاولة الثانية العظيمة للبشرية لوضع القانون الدولي فوق الفوضى الدولية. وكما جاء في نص الميثاق: «إنشاء الأمم المتحدة كان بهدف إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي جلبت في جيل واحد مرتين أحزانًا لا توصف للبشرية».

ونظرًا لأننا نعيش في العصر النووي، فإن الفشل لا يمكن أن يتكرر. فالبشرية قد تفنى، ولن تكون هناك فرصة ثالثة.

ولكي يفي مجلس الأمن بمسؤولياته بموجب الميثاق، ينبغي عليه أن يؤكد فورًا الإجراءات التالية:

أولًا: على الولايات المتحدة أن تكف فورًا عن جميع التهديدات الصريحة والضمنية، أو استخدام القوة ضد فنزويلا.
ثانيًا: على الولايات المتحدة إنهاء حصارها البحري وجميع التدابير العسكرية القسرية ذات الصلة التي نُفذت دون تفويض من مجلس الأمن.
ثالثًا: على الولايات المتحدة سحب قواتها العسكرية فورًا من داخل فنزويلا ومن محيطها، بما في ذلك الأصول الاستخباراتية والبحرية والجوية وغيرها من القوات المتقدمة المنتشرة لأغراض قسرية.
رابعًا: على فنزويلا الالتزام بميثاق الأمم المتحدة وبحقوق الإنسان المكفولة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وأوصي بأن يقوم الأمين العام فورًا بتعيين مبعوث خاص يُكلَّف بالتواصل مع أصحاب المصلحة الفنزويليين والدوليين المعنيين، وأن يرفع تقريرًا إلى مجلس الأمن خلال 14 يومًا يتضمن توصيات متسقة مع الميثاق.

كما ينبغي لمجلس الأمن أن يظل منخرطًا على وجه الاستعجال في هذه المسألة. وعلى جميع الدول الأعضاء الامتناع عن التهديدات الأحادية أو التدابير القسرية أو الأعمال العسكرية التي تُتخذ خارج سلطة مجلس الأمن.

وفي الختام، سعادة الرئيس وأصحاب السعادة أعضاء المجلس، إن السلام وبقاء البشرية يعتمدان على ما إذا كان ميثاق الأمم المتحدة سيبقى أداة حية من أدوات القانون الدولي، أم سيُترك ليذبل ويصبح بلا معنى.

هذا هو الخيار المعروض أمام مجلسكم اليوم.
شكرًا جزيلًا لكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى