خزان أميركا يقترب من الحد الحرج

حرب إيران تستنزف الاحتياطي النفطي الاستراتيجي وتقلص قدرة واشنطن على مواجهة الصدمة المقبلة

لم تعد مشكلة الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي تتعلق فقط بعدد البراميل المتبقية في الكهوف الملحية على ساحلي تكساس ولويزيانا. المشكلة الأكثر خطورة هي أن الولايات المتحدة تدخل مرحلة جديدة من حرب إيران واضطرابات مضيق هرمز بينما تقترب أهم أداة طوارئ نفطية لديها من مستويات يرى خبراء أنها قد تحد عملياً من سرعة استخدامها ومرونتها.

أظهرت بيانات وزارة الطاقة الاثنين أن المخزون انخفض بمقدار 3.1 ملايين برميل خلال أسبوع واحد إلى 286.6 مليون برميل، وهو أدنى مستوى منذ نوفمبر 1982. ويأتي الانخفاض ضمن التزام أميركي بإطلاق 172 مليون برميل بعد اندلاع الحرب مع إيران في فبراير. (Reuters)

لكن تقريراً معمقاً لرويترز يكشف أن الرقم الحالي ليس نهاية السحب. فبموجب الاتفاق الذي شاركت فيه أكثر من 30 دولة لإطلاق 400 مليون برميل، يمكن أن ينخفض المخزون الأميركي إلى نحو 243 مليون برميل بعد تسليم الكميات المتبقية. وهنا تبدأ المشكلة التقنية، وليس السياسية فقط. (Reuters)

الاحتياطي الأميركي مخزن في نحو 60 كهفاً ملحياً ضخماً. وعندما يسحب النفط، ترتفع المياه المالحة داخل الكهوف للمساعدة في دفع الخام إلى السطح. ويؤدي استمرار عمليات السحب الكبيرة إلى زيادة الضغوط على جدران الكهوف والآبار والمضخات.

صحيح أن وزارة الطاقة تعتبر أن الحد الفيزيائي الأدنى للتشغيل يقل كثيراً عن المخزون الحالي، لكن أستاذ هندسة البترول بجامعة Texas A&M سيدهارث ميسرا قدر أن المستوى العملي الآمن يقترب من 250 مليون برميل. وهذا يعني أن تنفيذ كامل الكميات المتبقية قد يضع الاحتياطي حول هذه المنطقة مباشرة. (Reuters)

والتحذير لا يأتي من الأكاديميين وحدهم.

مكتب المحاسبة الحكومي الأميركي GAO قال في تقرير صدر في مايو إن قدرات الاحتياطي على السحب والتوزيع وإعادة التعبئة أصبحت محدودة بسبب تقادم المنشآت وأعمال الصيانة والإنشاءات المستمرة وانخفاض المخزون. وقدر أن قدرة السحب الفعلية في نهاية 2025 كانت نحو 61% فقط من المعدل التصميمي، فيما بلغت قدرة إعادة التعبئة 56%. (GAO)

وهنا تظهر المفارقة الكبرى.

أنشأت الولايات المتحدة الاحتياطي بعد صدمات النفط في سبعينيات القرن الماضي تحديداً لكي تستطيع مواجهة انقطاع كبير في الإمدادات الخارجية. لكنها استخدمته بكثافة متزايدة خلال العقد الأخير: لمواجهة الأسعار، والحرب الروسية في أوكرانيا، ثم حرب إيران. ويقول GAO إن نحو 70% من جميع عمليات السحب التاريخية حتى 2025 حدثت منذ 2014. (files.gao.gov)

جاءت حرب إيران لتزيد الضغط.

ورغم أن عمليات تصدير النفط عبر الخليج تحسنت مقارنة بقاع الأزمة في مارس، فإنها لم تعد بعد إلى مستويات ما قبل الحرب. وقدرت Goldman Sachs أن الصادرات الخليجية تدور حالياً حول 15–16 مليون برميل يومياً، أي أقل بنحو 7–8 ملايين برميل يومياً من مستويات ما قبل الحرب، وإن كانت أعلى بكثير من أدنى مستويات مارس. (Reuters)

ومع تجدد الضربات الأميركية–الإيرانية الاثنين، عاد برنت فوق 90 دولاراً.

لذلك أعلن الرئيس دونالد ترامب أن النفط الفنزويلي سيستخدم لإعادة ملء الاحتياطي. لكن المشكلة أن الاتفاق مع فنزويلا، حتى إذا طبق كما هو معلن، لا يستطيع إنتاج مئات الملايين من البراميل الإضافية فوراً. فالحقول تحتاج إلى استثمارات وصيانة ومعدات وبنية تحتية، كما أن جزءاً كبيراً من الخام الفنزويلي ثقيل ويتطلب قدرات تكرير خاصة. (Reuters)

وثمة مشكلة مالية أيضاً. إعادة ملء الاحتياطي بالكامل تحتاج عشرات المليارات من الدولارات؛ ووفق رويترز لم يخصص الكونغرس في العام الماضي سوى 171 مليون دولار لإعادة الشراء، مقابل احتياجات كانت تقدر آنذاك بنحو 20 مليار دولار. (Reuters)

وهكذا أصبحت واشنطن أمام معادلة صعبة: إذا احتفظت بما تبقى من المخزون، ترتفع مخاطر أن تفقد قدرتها على تهدئة الأسواق الآن. وإذا سحبت المزيد لكبح الأسعار، فقد تدخل الأزمة المقبلة من دون احتياطي عملي كاف.

وهذه هي الدلالة الأهم.

الاحتياطي الاستراتيجي لا يؤثر في السوق فقط بالبراميل التي يطلقها، بل بوجوده كـتهديد محتمل للمضاربين. فإذا اقتنع المتعاملون بأن قدرة واشنطن على ضخ كميات كبيرة بسرعة قد ضعفت، يصبح ارتفاع الأسعار عند كل أزمة جيوسياسية أكثر حدة.

وفي تلك اللحظة قد يتحول العلاج من «إطلاق النفط من المخزون» إلى الوسيلة الأكثر إيلاماً: ارتفاع الأسعار بما يكفي لإجبار المستهلكين أنفسهم على خفض الطلب.

Exit mobile version