

محجوب فضل بدري
كنتُ قد اقترحتُ فى مقالٍ لي منذ سنواتٍ خَلَتْ، أن يتنازل الذين يحجون بيت الله على سبيل التطوع عن نفقات ذلك لصالح الفقراء والمساكين، وأجرهم على الله. ومن المفهوم أنهم قد أدوا ركن الإسلام الخامس قبل ذلك.
كان المقترح بأن تتولى جهة ما جمع التبرعات من نفقات الحج من الموسرين الذين أعتادوا حج بيت الله كل عام وهو (نافلة) وتوزيعها على أصحاب الحاجات كما فعل ذلك العالم المحدث الزاهد عبد الله بن المبارك.
عبدالله بن المبارك (118-181هج) من كبار المحدثين وقد عُرِف َعنه أنه كان زاهداً متواضعاً على سعة رزقة وكثرة أسفارة، وقد أشتهر عنه أنه كان عندما يريد السفر إلى بيت الله الحرام ينضم إلى قافلته كل من يريد الحج ذلك العام فيجمع منهم نفقات السفر ويقوم على خدمتهم طيلة الرحلة، وعندما يرجعون إلى ديارهم، يقوم ابن المبارك بإعادة المال الذي جمعه من كل واحد لصاحبه وهو يقول كانت حجتكم على نفقتي.
وفى أحد الأعوام وكان في طريقه للحج وجد في الطريق أمرأة تأكل من جيفة فعرف أنها في أشد حالة من الفقر فدفع إليها بكل المال الذى معه وعاد أدراجه إلى بلده وقال لمن سأله:(هذا هو حجنا لهذا العام)
وقد دار نقاش كثيف فى الآونة الأخيرة حول أمر الحج أو العمرة تطوعاً، أو ذبح الأضحية تقرباً، فمن قال بأن الانفاق على المساكين أولىٰ من النافلة حجاً أو عمرةً أو إحياء سنة ذبح الأضاحي يوم النحر . ومن قال بأن في ذلك أماتةً للسنة مقصود بها نقض عُرى الدين !! وهناك فريق ثالث لا يرى في عيد الضحية إلا (الشية والشربوت) ولا فى العمرة إلا أنها فرصة للاغتراب.
مَرَّ عيد الأضحى هذا العام على كل سوداني أضطرته ظروف حرب الكرامة بأن يلجأ خارج بلادنا في الأعوام الثلاثة السابقة بلا فرحة حقيقية بالعيد السعيد وخاصةً هنا في مصر حيث أكبر وجود للسودانيين بالخارج وفيهم من لا يستطيع أن يدبر قوت اليوم له ولعياله في ظل ظروف اقتصادية معقدة جداً وهذا لا ينفي وجود مفارقات كبيرة في مستوى المعيشة بينهم وبين الموسرين من أبناء جلدتنا والذين يقوم بعضهم بالانفاق في جوانب كثيرة على أصحاب الحاجات ولكن الحال يحتاج إلى تضامن أكبر وتنظيم أكثر دقة لتغطية هذه الأعداد الهائلة من النازحين في الداخل أو اللاجئين في الخارج، ومن هنا نجدد الدعوة إلى انتهاج طريقة عبد الله بن المبارك وهى دعوة لذوي اليسار خاصةً ولكل من يبتغي وجه الله عامةً (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلِق)
وكل عام وأنتم بخير