حين يتحول الاهتمام إلى همّ

بقلم: د. أمجد عمر محمد
الإنسان خلال حياته هناك كثير من التحديات التي تقف أمامه، لابد أن يتجاوزها ليتقدم إلى الأمام، كما أن هناك عقبات ينبغي إزالتها، وأبوابًا لا تُفتح إلا بالمحاولة والصبر. غير أن مواجهة هذه التحديات لا تعتمد على الرغبة وحدها، بل تحتاج إلى ترتيب الأولويات، حتى يعرف الإنسان ما يمكن إنجازه أولًا، وما هي الخطوات التي تليها، وفقًا لأهمية كل خطوة وتأثيرها في الخطوات اللاحقة، فضلًا عن مدى تأثرها بما سبقها. فالحياة ليست مجموعة من المشكلات التي ينبغي حلها دفعة واحدة، وإنما مسارات متداخلة، يحتاج كل مسار منها إلى قدر من التفكير والتخطيط، وإلى معرفة متى نتحرك، ومتى ننتظر، ومتى نعيد النظر في الطريق.
في خضم هذه المسارات المتعددة، يواجه الإنسان اختبارًا آخر لا يقل أهمية عن التحديات نفسها؛ يتمثل في الطريقة التي يتعامل بها مع الموضوعات التي تشغل تفكيره. فقد يكون الموضوع مهمًا ويستحق أن يتصدر أولوياته، لكنه يتحول تدريجيًا إلى عبء يلازمه في يقظته ومنامه، حتى يصبح التفكير فيه أشد استنزافًا من المشكلة ذاتها. هنا يظهر الفرق بين الأهمية والهمّ؛ فالأهمية تمنح الموضوع مكانه في قائمة الأولويات، أما الهمّ فقد يمنحه مساحة تتجاوز حجمه، حتى يزاحم بقية تفاصيل الحياة ويستحوذ على طاقة الإنسان النفسية.
الأهمية تبدأ من إدراك قيمة الموضوع وتأثيره في الحاضر والمستقبل، ثم تحديد ما ينبغي فعله تجاهه. إنها وعي يدفع إلى التخطيط، وحافز يشجع على اتخاذ القرار، ودافع يحول الرغبة إلى عمل. أما الهمّ فيبدأ حين يتجاوز التفكير حدود المعالجة، ويتحول إلى دوران متكرر حول المشكلة، واستحضار مستمر لاحتمالاتها السلبية، دون إضافة حقيقية إلى فرص حلها. وبذلك قد ينشغل الإنسان طويلًا بما ينبغي أن يفعله، بينما تتراجع قدرته على القيام به، وكأنه يستهلك وقود الرحلة في وصف الطريق بدلًا من السير فيه.
لعل الفرق بينهما يتضح أكثر عندما ننظر إلى أثر كل منهما في المشاعر. فالاهتمام حين يرتبط بهدف واضح وخطة قابلة للتنفيذ، يولّد الحماس والدافعية، فضلا عن منحه الإنسان شعورًا بأنه يقترب من غايته، حتى إن كانت خطواته صغيرة. أما الهمّ حين يستولي على التفكير، فقد يولّد الحزن والقلق والشعور بالعجز، خصوصًا عندما ينشغل المرء بما لا يملك تغييره، أو يحاول الوصول إلى ضمانات كاملة لمستقبل لا يمكن التنبؤ بكل تفاصيله. ومع ذلك، ليس كل همّ حزنًا، ولا كل اهتمام حماسًا؛ فالفارق تصنعه طبيعة التفكير، ومدى اتصال المشاعر بالفعل الممكن.
تأمل شخصين يواجهان المشكلة المالية نفسها؛ أحدهما يحصي التزاماته، ويراجع موارده، ويرتب نفقاته، ثم يضع خطة يتقدم فيها خطوة بعد أخرى. قد يشعر بالقلق، لكنه يحول قلقه إلى قرارات. أما الآخر فيظل يستحضر الديون، ويتخيل العواقب، ويعيد حساب الاحتمالات في ذهنه، حتى يعجز عن التركيز في عمله، وربما يهدر الفرص التي كان يمكن أن تساعده على الخروج من أزمته. المشكلة واحدة، لكن الأول جعلها أولوية تحتاج إلى معالجة، بينما سمح لها الثاني بأن تتحول إلى همّ يستنزف قدرته على المعالجة.
إضافة إلى ذلك، يظهر الفرق في علاقة الإنسان بالسيطرة. فحين يدرك أهمية موضوع ما، يستطيع أن يميز بين ما يقع ضمن قدرته وما يتجاوزها، فيبذل جهده فيما يستطيع تغييره، ويتعامل بحكمة مع ما لا يملك التحكم فيه. أما حين يصبح الموضوع همًّا مسيطرًا، فقد يحاول الإنسان التحكم في النتائج قبل وقوعها، وفي تصرفات الآخرين، وفي احتمالات المستقبل، وكأن كثرة التفكير قادرة على إخضاع الحياة لإرادته. لكنه يكتشف، عاجلًا أو آجلًا، أن بعض الأبواب لا تُفتح بالإلحاح عليها، وأن بعض الطرق لا تتضح إلا بعد السير فيها.
ليس معنى ذلك أن يتعامل الإنسان مع مشكلاته ببرود، أو أن يتخلى عن مسؤولياته بحجة الحفاظ على راحته النفسية؛ فهناك قضايا لا تحتمل التأجيل، وقرارات تترتب عليها آثار بعيدة المدى. المطلوب هو أن يمنح كل موضوع ما يستحقه من اهتمام، دون أن يسمح له بابتلاع بقية حياته. فالعقل يحتاج إلى مساحة يراجع فيها حساباته، والقلب يحتاج إلى فسحة يستعيد فيها توازنه، والإنسان يحتاج إلى أن يعيش يومه، حتى وهو يعمل من أجل غده.
علاوة على ذلك، فإن ترتيب الأولويات لا يكتمل بتحديد الأهم فحسب، بل بفهم العلاقة بين الخطوات. فقد تكون خطوة صغيرة في ظاهرها هي المفتاح الذي يتيح إنجاز خطوات أكبر، وقد يكون تأجيل أمر ثانوي هو القرار الذي يحمي جهدًا ينبغي توجيهه إلى أمر أكثر تأثيرًا. لذلك لا ينبغي أن نقيس تقدمنا بمقدار الوقت الذي نقضيه في التفكير، بل بما ننجزه من خطوات صحيحة، وبقدرتنا على تعديل المسار عندما تظهر معطيات جديدة. فالنجاح لا يشترط أن نرى الطريق كاملًا، وإنما أن نعرف الخطوة التالية ونتقدم بها.
من الأمثلة الملهمة في هذا المعنى أن قطرة الماء لا تشق الصخر بقوة اندفاعها وحدها، بل باستمرارها في المسار نفسه. إنها لا تقف أمام الصخرة كل يوم لتقلق بشأن صلابتها، وإنما تواصل طريقها حتى تترك أثرها. كذلك الإنسان؛ لا يحتاج إلى أن يحمل ثقل الطريق كله في قلبه، بل أن يحمل من المسؤولية ما يعينه على قطع المسافة التالية. فالقلق بشأن المسافة المتبقية لا يختصرها، بينما السير المنتظم يقرب نهايتها.
إن الحياة ستظل مليئة بما يستحق الاهتمام، وستبقى فيها عقبات لا يمكن تجاوزها دون صبر وتفكير وتضحيات. لكن الحكمة ليست في أن نعيش تحت وطأة كل ما يشغلنا، وإنما في أن نعرف كيف نحول انشغالنا إلى عمل، وخوفنا إلى استعداد، وطموحنا إلى خطوات قابلة للإنجاز. فليس كل ما نفكر فيه يحتاج إلى مزيد من التفكير، وليس كل ما نخشى حدوثه يستحق أن نعيش آلامه قبل أن يحدث.
في النهاية، لا تجعل ما يهمك يتحول إلى همّ، ولا تسمح لعقبة في طريقك أن تحجب عنك الطريق كله. ضع المشكلة في موضعها الصحيح، وحدد ما تستطيع فعله، ثم ابدأ بما هو أقرب إلى الإنجاز وأكثر تأثيرًا في ما يليه. فالهمّ قد يجعلك أسيرًا لما تخشاه، أما الاهتمام الواعي فيجعلك شريكًا في صناعة ما ترجوه. وبين الاثنين تتحدد مساحة واسعة من قدرتنا على العيش بوعي، والتقدم بثبات، ومواجهة الحياة دون أن نفقد أنفسنا في زحام ما نريد إصلاحه.

↑
Exit mobile version