حين فشلت التقديرات… كيف قادت الطمأنينة المضلِّلة إلى انهيار الدولة
Mazin
مهند عوض محمود
في يناير 2018م، وفي ذروة القلق الرسمي من تدهور الأوضاع الاقتصادية، طُرِح داخل أحد مراكز الدراسات المتخصصة تقريرٌ تحليلي من خمس صفحات، قدّم قراءة مبكرة لما يمكن أن تؤول إليه الأزمة، محذِّراً من أن الضائقة المعيشية، إذا استمرت على هذا النحو، لن تبقى مجرد أزمة اقتصادية، بل ستتحول إلى طاقة قابلة للتعبئة يمكن توجيهها لتحريك الشارع على نطاق واسع.
لم يكن ذلك الطرح ضرباً من التقدير السياسي الفضفاض، بل قراءة مباشرة لمؤشرات كانت تصرخ أمام الجميع: تدهور متسارع في سعر الصرف، قرارات مرتبكة للبنك المركزي، سياسات مالية أقرب إلى ردود الأفعال منها إلى التخطيط، وبيئة عامة تُدار بلا بوصلة واضحة. كانت الصورة، لمن أراد أن يراها، مكتملة بما يكفي لتوقع ما يمكن أن يحدث.
تداولت أجهزة الدولة ذلك التقرير على نطاق واسع، حتى صدر توجيه بعقد ورشة رسمية لمناقشته. لكن ما جرى في تلك الورشة لم يكن محاولة جادة لفهم التحذير، بل كان أقرب إلى محاكمة له. لم يُناقش التقرير بوصفه إنذاراً يجب الاستعداد له، بل بوصفه فرضية يجب دحضها. واستقرت التقديرات على رواية مطمئنة: الأحزاب ضعيفة، اليسار في أضعف حالاته، الشارع غير قابل للحراك، والأزمة مهما بلغت، لن تتجاوز سقف السيطرة.
لكن الإشكالية لم تكن في اختلاف التقديرات بحدّ ذاته، بل في أن هذا الاختلاف لم يكن حيادياً، بل كان منحازاً بالكامل إلى ما يريح، لا إلى ما يحذر. وهنا تبدأ القصة الحقيقية: ليست في أن الدولة لم تكن تملك المعلومات، بل في أنها، رغم امتلاكها، اختارت أن لا تصدّقها.
لقد أشار التقرير بوضوح إلى أن الوضع الاقتصادي يمثل بيئة خصبة للمعارضة بشقيها السياسي والمسلح، وأن ما جرى في احتجاجات سبتمبر 2013 من توظيف للغضب المعيشي في مواجهة الدولة يمكن أن يتكرر بصورة أوسع وأكثر تنظيماً، وهي عبارة لم تكن بحاجة إلى كثير من التأويل، لكنها، ببساطة، لم تُؤخذ على محمل الجد. لم تُقرأ بوصفها تحذيراً، بل جرى تفريغها من مضمونها داخل غرف مغلقة عبر تقديرات مريحة، سرعان ما أثبت الواقع هشاشتها.
ما حدث لاحقاً لم يكن مفاجأة لمن تابع المؤشرات، بل كان النتيجة الطبيعية لمسار كامل من الإنكار. فالأزمة الاقتصادية لم تُنتج الانفجار بذاتها، لكنها وفّرت له الوقود، بينما تكفّلت بيئات أخرى – سياسية وإعلامية وتنظيمية – بإشعال الشرارة وتوجيهها. وهنا يكمن الفرق الجوهري: بين غضبٍ شعبي مفهوم، ومسارٍ سياسي استثمر هذا الغضب ودفع به إلى ما هو أبعد من الاحتجاج.
الأخطر من ذلك، أن الرسائل الرسمية ظلت، حتى اللحظات الأخيرة، أسيرة منطق الطمأنة. لم يكن هناك نقص في المعلومات، بل كان هناك خلل في طريقة التعامل معها. فحين تتكرر التطمينات في مواجهة مؤشرات تتصاعد بلا توقف، لا يعود الأمر مجرد خطأ في التقدير، بل يتحول إلى نمط تفكير كامل، يفضّل السلامة النفسية على المواجهة الواقعية.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً، بل ضرورياً: هل كان ما حدث مجرد سوء تقدير جماعي؟ أم أن هناك خللاً أعمق جعل من الصعب، أو غير المرغوب فيه، الاعتراف بحجم الخطر؟ لأن الفشل، حين يصل إلى هذا المستوى من الاتساع، لا يُفسَّر فقط بضعف القراءة، بل يطرح احتمال وجود خلل أعمق في بنية اتخاذ القرار نفسها.
ليس المقصود هنا توجيه الاتهام بقدر ما هو محاولة لفهم ما جرى، لكن الفهم نفسه يقود إلى نتيجة لا يمكن القفز فوقها: أن الدولة لم تسقط فجأة، بل سقطت حينما أُستبعدت المهددات، وحين أصبح ما يُطمئن أكثر قبولاً مما يُقلق، وحين تحولت مراكز التقدير من أدوات إنذار مبكر إلى منصات لإنتاج الطمأنينة.
إن قراءة ما جرى لا تستقيم إذا اختُزلت في شعارات، سواء تلك التي تمجد الحدث أو تلك التي تنفيه بالكامل. فالحقيقة، كما تكشفها الوقائع، أكثر تعقيداً: أزمة حقيقية، وغضب مشروع، واستثمار سياسي منظم، وبيئة تقدير أخفقت في قراءة المشهد أو لم تُرِد أن تقرأه. وفي هذا التداخل تحديداً، تشكّلت الطريق التي قادت إلى ما نحن فيه.
اليوم، وبعد أن دفعت الدولة ثمناً باهظاً، لا تكمن أهمية استعادة هذه اللحظة في تسجيل النقاط أو إعادة توزيع اللوم، بل في الإجابة على السؤال الأخطر: هل تغيّرت طريقة التفكير التي قادت إلى ذلك الفشل؟ أم أننا لا نزال، حتى الآن، نعيد إنتاج نفس الآلية… نرى المؤشرات، ونسمع التحذيرات، ثم نختار، في النهاية، أن نصدق ما يطمئننا أكثر مما يُبصّرنا؟